ليست كل الحقائق التي نعيشها قد حدثت فعلًا؛ فبعضها يبدأ فكرةً في أذهاننا، ثم نتعامل معه كأنه واقع.
نظرة عابرة، تأخر في الرد، تغيّر في نبرة الصوت، أو اختلاف في موقف… وقائع صغيرة، لكن العقل قد يمنحها معاني لم يقلها أصحابها، ثم يبني عليها رواية كاملة.
وهنا يبدأ وهم الظن.
فالظن في بدايته احتمال، لكن الخطر يبدأ حين تختلط علينا الحدود بين:
ما حدث فعلًا، وما فسّرناه، وما تخيّلناه.
فالإنسان لا يتعامل مع الحدث وحده، بل مع المعنى الذي يمنحه للحدث. وقد تجعل التجارب السابقة والخوف والجراح القديمة الإنسان أكثر استعدادًا لتفسير الحاضر من خلال الماضي.
فمن ذاق الرفض قد يقرأ الصمت رفضًا، ومن عاش الخيانة قد يرى في الغموض خيانةً محتملة، ومن يحمل جرحًا قديمًا قد يفسّر موقفًا جديدًا بلغة الماضي.
وهكذا ينتقل العقل من الواقعة إلى التفسير، ومن التفسير إلى الانفعال، ومن الانفعال إلى السلوك.
فتنشأ دائرة مغلقة:
ظنّ → تفسير → انفعال → سلوك → نتيجة → تأكيد الظن.
قد يعتقد الإنسان أن شخصًا ما يكرهه، فيتعامل معه بجفاء، فيشعر الآخر بالجفاء فيبتعد، ثم يعود صاحب الظن ليعتبر ابتعاده دليلًا على صحة اعتقاده.
وهنا يصبح السلوك نفسه دليلًا على فكرة بدأت أصلًا بلا دليل.
حين تجد الوسوسة طريقها إلى الظن
في المنظور الديني، قد تبدأ الوسوسة من ثغرة في النفس: خوف، غيرة، حقد، حساسية، شعور بالرفض، أو جرح لم يُعالج.
ولا يحتاج الشيطان إلى أن يزرع العداوة كاملة؛ قد يكفي أن يزرع سؤالًا صغيرًا:
«ألم تلاحظ كيف نظر إليك؟»
ثم:
«ألا تعتقد أنه يتعمد تجاهلك؟»
ومع تكرار الفكرة يتحول الاحتمال إلى شك، والشك إلى يقين وهمي، ثم يتحول اليقين إلى موقف.
قال تعالى:
﴿مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾.
وهنا لا يبقى الظن مجرد فكرة داخلية؛ فقد يتحول إلى كلمة جارحة، أو اتهام، أو قطيعة، أو رغبة في إيذاء الآخر.
وقد يتحول إلى الداخل أيضًا، فيغرق الإنسان في أسئلة لا تنتهي:
ماذا يقصد؟
لماذا فعل ذلك؟
هل يتحدث عني؟
هل يريد إيذائي؟
فتتسع دائرة الشك حتى يصبح الآخرون جميعًا خصومًا محتملين، ويصبح الإنسان أسير قصة لا يستطيع إثباتها، ولا يستطيع التوقف عن التفكير فيها.
ولهذا فإن الظن مسألة نفسية ، ومسؤولية أخلاقية ايضا ؛ لأننا قد نحاكم إنسانًا على نية لم نعرفها، ونؤذيه بسبب تفسيرنا لما فعل، لا بسبب ما فعل.
وهنا يأتي توجيه أمير المؤمنين الإمام عليّ عليه السلام:
«ضَعْ أمرَ أخيكَ على أحسنه حتى يأتيكَ ما يَغلبُكَ منه، ولا تَظُنَّنَّ بكلمةٍ خرجت من أخيكَ سوءًا وأنت تجدُ لها في الخيرِ محملًا».
فهذا التوجيه لا يدعونا إلى السذاجة أو إنكار الوقائع، وإنما يضع حدًا أخلاقيًا للتأويل: ألا نحول الاحتمال إلى إدانة، وألا نجعل ما لا نعرفه حقيقةً نحاكم الآخرين على أساسها.
كيف نكسر وهم الظن؟
قبل أن نحكم، علينا أن نفصل بين ثلاثة أشياء:
ماذا أعرف؟
ماذا أستنتج؟
ماذا أتخيل؟
ما أعرفه هو الواقعة، وما أستنتجه هو تفسيرها، وما أتخيله هو الاحتمالات التي أضافها خوفي وذاكرتي.
وقد يكون سؤال واحد أكثر إنصافًا من عشرات الظنون:
«هل قصدتَ ما فهمته أنا؟»
فالحوار يعيد الإنسان من عالم الاحتمالات إلى أرض الحقيقة.
وأحيانًا لا نؤذي الآخرين بسبب ما فعلوه، بل بسبب النوايا التي نسبناها إليهم ثم عاقبناهم عليها.
وقد لا تكون المشكلة في العالم من حولنا كما نظن، بل في القصة التي كتبتها النفس عن الآخرين، ثم صدّقها العقل حتى تحولت إلى حقيقة.