image

هل الصيام مجرد امتناع عن الطعام والشراب؟ هنا سؤال وجودي يُطرح على الإنسان: من يقودك، جسدك أم روحك؟ شهواتك أم إرادتك؟

كثيرًا ما نرى في سائر أشهر السنة، ولا سيما في شهر رمضان، من يسيء فهم هذا السؤال؛ فإذا ضاق صدره، واشتد غضبه، وتفلّت لسانه، يتخذ من كونه "صائمًا" ذريعة لبذاءة لسانه وحدّة طبعه، وكأن الجوع يُنتج القسوة لا يُهذّبها.

فالله سبحانه وتعالى ليس بمحتاجٍ إلى صيامنا ولا إلى أعمالنا، لكنه سبحانه جعله فرضًا علينا منةً منه عز وجل، يريد لنا به الكمال والقرب إليه. ولكي نبلغ هذه المراتب، يتطلب ذلك صدق النية، وخلقًا حسنًا، وعملًا صالحًا.

وجُعل شهر رمضان موسمًا لترويض النفس، وفرصة لتربيتها والاستطاعة على اجتناب شهوات الدنيا ومتاعها، ليُظهر لنا أننا قادرون على السير بما أمرنا الله، رغم ضعف إرادتنا أحيانًا.

فالهدف من الصيام هو تهذيب وصون الجوارح والجوانح؛ فهو لا يقتصر على الإمساك عن الطعام، بل يمتد إلى ترك الحرام بكل صوره: نظرة حرام، قول حرام، وفعل حرام.

فما قيمة صومٍ جاع فيه الجسد وشبعت فيه المعاصي؟ وما ثمرته إن صامت المعدة وتكلّم الهوى؟

ومن هنا جاء القول بليغ عن فاطمة الزهراء عليها السلام: «ما يصنع الصائم بصيامه إذا لم يصن لسانه وسمعه وبصره وجوارحه؟» فالسؤال ليس عن صورة الصوم، بل عن روحه؛ ليس عن شكله، بل عن أثره في بناء الإنسان.

وعن جعفر الصادق عليه السلام: «إذا أصبحتَ صائمًا فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك وجميع جوارحك». وكأن الصوم حالةُ وعيٍ شاملة، تمتدّ من الداخل إلى الخارج، ومن السرّ إلى العلن.

وفي هذا الشهر إعانةٌ من الله تعالى، إذ تُغلّ الشياطين، فتنحسر وساوسها، وتبقى أنت ونفسك في ساحة المجاهدة؛ لتصارع هواك، وتزن أفعالك، وتعرف من تكون حقًّا.

: بتول علاء الطرفي