image

خديجة: شريكة الرسالة

حين نقرأ سيرة خديجة بنت خويلد، لا نقرأ قصة زوجةٍ ثريةٍ أنفقت مالها فحسب وإنما نقرأ نموذج الشراكة الحقيقية في أسمى صورها؛ شراكةٍ قامت على الإيمان، والبصيرة، والوعي بطبيعة المرحلة، وحجم المسؤولية.

في زمنٍ تتعالى فيه بعض الأصوات الرافضة لفكرة مؤازرة الزوجة لزوجها، بدعوى الاستقلال أو المساواة الشكلية، يعيدنا التاريخ إلى مشهدٍ مختلف: رجلٌ يحمل أعظم رسالة، يواجه حصارًا اجتماعيًا واقتصاديًا قاسيًا، وامرأةٌ تقف إلى جانبه، من موقع الاختيار الحرّ والإيمان العميق.

وكثيرًا ما نسمع في عصرنا الحاضر، ولا سيما عند من يتبنّين الفكر النسوي، اعتراضًا على فكرة أن تساعد الزوجة زوجها أو تؤازره في مواجهة محن الحياة وتقلباتها. غير أنّ الواقع يُثبت أنّ الأزواج اليوم يواجهون ضغوطًا أشدّ وأثقل مما تحمّله آباؤنا وأجدادنا، بفعل التطوّر السريع وتعقيدات هذا العصر، حتى تحوّل ما يُعرض على شاشات التلفاز أو منصات التواصل الاجتماعي إلى ما يُنظر إليه بوصفه جزءًا من متطلبات الحياة اليومية أو من مستلزمات الزواج وفي ظل هذه الظروف، تتزايد الأعباء المعيشية ويشتدّ الغلاء، فيثقل الحمل على كاهل الرجل الذي يجاهد لتأمين أساسيات الحياة الزوجية قبل بدء حياتهما المشتركة.

الموقف الشرعي من النفقة

لقد أوجب الله تعالى على الزوج توفير أساسيات الحياة لزوجته من مسكنٍ وملبسٍ وطعام، وقد وردت في هذا الشأن أحاديث شريفة عديدة تؤكد هذا الواجب وتقرّره بوضوح، منها قول رسول الله (صلى الله عليه وآله):

"حق المرأة على زوجها أن يُشبعها ويكسوها، ولا يُقبّح لها وجهًا" 1

(المجلسي، بحار الأنوار، ج103، ص254).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام):

«النفقة على الزوجة واجبة: الكسوة، والطعام، والمسكن، وما جرت به العادة»

(الشيخ الطوسي، تهذيب الأحكام، ج7، ص415).

وعن الإمام الباقر (عليه السلام):

«المرأة يُنفق عليها زوجها ما يُقيم ظهرها ويستر عورتها، ويُطعمها ويكسوها، فإذا فعل ذلك فقد قضى ما عليه»

(الكليني، الكافي، ج5، ص511).

وعن الإمام الصادق (عليه السلام):

«على الرجل أن ينفق على امرأته وإن كانت له مال، فليس لها أن تنفق من مالها إلّا برضاها»

(الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج21، ص540).

فكل هذه الأحاديث تؤكد وجوب نفقة الزوج على زوجته.

لكن الإسلام ـ وهو دين شامل وواسع ـ يعالج مختلف قضايا الحياة، ويضعها في ميزانه العادل والمستقيم، فيطرح الحلول، ويجعل لكل أمرٍ أجرًا وثوابًا، حتى في أصغر التفاصيل. قال تعالى:

﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾

(سورة الزلزلة: 7-8).

وحين تتوالى الأزمات وتثقل الحياة بمصاعبها، قد يجد الرجل نفسه غارقًا في متاهات الزواج وتبعاته. وهنا تكون الزوجة، وهي أقرب إنسان إلى قلبه، شريكة روحه وتوأم حياته، قادرة على المساعدة أو المساهمة في التخفيف من إحدى المحن التي يمرّ بها. غير أنّ بعض النساء قد يتشبثن بمسألة النفقة بتشدد، ويتعنتن في الرأي، متأثرات بخطابٍ يدعو إلى مساواة ظاهرية بين الرجل والمرأة، تجعلها أداة مادية لا أكثر، وتزيد من كاهل الزوج. وهكذا تُخرب بعض الزوجات حياتهن بأقوال مشوشة وشعارات زائفة تُرفع باسم حقوق المرأة، بينما هي في الحقيقة أبعد ما تكون عن جوهرها الإنساني والشرعي.

ولو عدنا إلى سيرة خديجة بنت خويلد عليها السلام، لرأينا الصورة المشرقة للشراكة الحقيقية. فقد كانت (عليها السلام) سيدة نساء قريش، وأكثرهن مالًا وأحسنهن خلقًا، حتى قال الشيخ المفيد:

«خديجة بنت خويلد كانت سيدة نساء قريش في عصرها، وأكثرهنّ مالًا، وأحسنهنّ خلقًا، وكانت تُدعى بالطاهرة»

(الإرشاد، ج1، ص134).

غير أنّ البعض ينسى أو يتناسى الدور المهم الذي قدّمته سيدة قريش الطاهرة، أم سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وزوجة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)، السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام). فقد كانت من أطهر نساء قريش وأفضل نسائهم، تميزت بمالها الوفير، وتجارتها الواسعة، وعقلها الراجح، ورأيها السديد. 

لقد ساهمت خديجة (عليها السلام) بكل أموالها وتجارتها في مؤازرة النبي (صلى الله عليه وآله) ودعم دعوته ونصرة المسلمين في بدايات الإسلام، وبذلت حين رأت زوجها الكريم يواجه الصعاب والمحن، وخاصة في أيام الحصار القاسي الذي فرضته قريش على النبي وأهله وأصحابه في شعب أبي طالب، والذي استمر ثلاث سنوات.

وقد ورد في الروايات الشريفة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله):

«ما قام الإسلام إلا بسيف علي ومال خديجة»

(المجلسي، بحار الأنوار، ج16، ص12).

كما قال (صلى الله عليه وآله):

«ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مال خديجة».

وعلى أثر مال خديجة (عليها السلام) كان للمسلمين سندٌ عظيم في حصار الشعب، حينما قاطعت قريش النبي (صلى الله عليه وآله) وأهله وأصحابه لثلاث سنوات، فمنعت عنهم الطعام والشراب والبيع والشراء. ولولا ما قدّمته خديجة (عليها السلام) من إنفاق وتدبير وحكمة، لواجه المسلمون الهلاك جوعًا ومرضًا. لقد تحوّلت ثروتها في ذلك الموقف إلى سلاحٍ فعّال لمواجهة واحدة من أقسى مراحل التاريخ الإسلامي.

المؤازرة ليست ضعفًا

مساندة الزوجة لزوجها – نفسيًا أو معنويًا أو ماديًا – لا تعني تنازلًا عن حقّ، ولا انتقاصًا من كرامة، الإسلام لم يُلزم المرأة بالنفقة، لكنه جعل لها إن أنفقت أجرًا عظيمًا، حتى شبّه بعض الروايات حسن التبعّل وجهاد المرأة بالصبر والمشاركة في أعباء الحياة.

• قال الإمام الصادق (عليه السلام):

«جهاد المرأة أن تصبر على ما ترى من أذى زوجها وغيرته»

(الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج20، ص172).

• وعن النبي (صلى الله عليه وآله):

«أيّما امرأة خدمت زوجها سبعة أيام، أغلق الله عنها سبعة أبواب النار، وفتح لها ثمانية أبواب الجنة تدخل من أيّها شاءت»

(المجلسي، بحار الأنوار، ج103، ص247).

• وقال الإمام الباقر (عليه السلام):

«جهاد المرأة حسن التبعّل»

(الكليني، الكافي، ج5، ص507).

هذه النصوص تكشف أن حسن العشرة، وخدمة الزوج بالمعروف، والوقوف إلى جانبه، هو بمنزلة الجهاد الذي تُثاب عليه المرأة أعظم الثواب.

بل إن الإسلام اعتبر حتى المساهمة المالية للمرأة في بيتها من أبواب القربات:

• قال الإمام الصادق (عليه السلام):

«المرأة تُعان زوجها في النفقة عليه، وما تنفق عليه من مالها، كتب الله لها مثل أجر ما يُنفق الزوج»

المجلسي، بحار الأنوار، ج103، ص252).

• وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله):

«إذا أنفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة، كان لها أجرها وله مثله، وللخازن مثل ذلك من غير أن يُنقص بعضهم من أجر بعض شيئًا»

(الكليني، الكافي، ج5، ص88).

• وقال الإمام الباقر (عليه السلام):

«من أعانت زوجها على حطام الدنيا أعطاها الله من ثواب الصالحين»

(المجلسي، بحار الأنوار، ج103، ص248).

• وعن النبي (صلى الله عليه وآله):

«خير نسائكم… المرأة إذا أنفقت مع زوجها من مالها على عياله، كتب الله لها بكل درهم تنفقه على عيالها أجر ألف شهيد»

(الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج20، ص172).

بين الشعار والحقيقة

ليست المشكلة في المطالبة بالحقوق، فالحقوق الزوجة مصونة شرعًا وقانونا، لكن الإشكال حين تُختزل العلاقة الزوجية في معادلة حسابية جافة: (واجب عليك – ليس واجبًا عليّ).

الزواج في روحه شراكة لا شركة مساهمة.

مودة ورحمة، لا تنازع صلاحيات.

تكامل أدوار، لا صراع أدوار.

ولو تأملنا سيرة خديجة (عليها السلام)، لوجدنا أنها لم تُنقص من قدرها حين أعطت، ب ارتفعت منزلتها حتى خُلّد اسمها في تاريخ الرسالة، وصارت مثالًا يُحتذى.


: فاطمة الحسيني