image

﴿وَتَفَقَّهْ فِي الدِّينِ، وَعَوِّدْ نَفْسَكَ الصَّبْرَ عَلَى الْمَكْرُوهِ﴾

افتتح أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وصاياه لولده الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) بسلسلة من التوجيهات التربوية العميقة التي تمثل منهج حياة متكاملاً، وجعل التفقه في دين الله في مقدمة هذه الوصايا؛ تأكيدًا على مركزية العلم والمعرفة في بناء الإنسان وصيانة مسيرته. فأهل البيت (عليهم السلام)، الذين جعلهم الله رحمةً وهداةً لعباده، أولوا العلم الشرعي أهميةً بالغة، لما له من دور في حفظ الإنسان من الوقوع في المحظورات، وتمييز الحق من الباطل، والحلال من الحرام.

ومن هنا جاءت النصوص الشريفة مؤكدةً على ضرورة التفقه في الدين، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ليت السياط على رؤوس أصحابي حتى يتفقهوا في الدين»، في إشارة إلى عظيم أثر المعرفة الدينية في تهذيب السلوك وتقويم المسار. وقد هيّأ الله سبحانه وتعالى لعباده سبيل العلم والهداية بمحمد وآله الطاهرين (عليهم السلام)، وجعل التمسك بهم طريق النجاة ومنبع المعرفة الحقة.

أما النفس الإنسانية، فإن لم يُحسن الإنسان قيادتها قادته إلى مهاوي الضلال؛ لأنها مجبولة على اتباع الهوى وميل الرغبات. ومن هنا تقع على عاتق الإنسان مسؤولية تهذيبها وتزكيتها حتى تنال رضا الله تعالى. ومن أبرز ما أرشد إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذا المجال تدريب النفس على الصبر وتحمل المكاره، فليس كل ما يكرهه الإنسان شرًا محضًا، بل قد تخفي الشدائد في طياتها خيرًا ورحمةً لا يدركهما الإنسان لأول وهلة.

وفي هذا المعنى يقول الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهي آية مباركة ترشد الإنسان إلى عدم الحكم على الأمور من ظواهرها فقط، بل إلى الثقة بحكمة الله وتدبيره.

إن الصبر على المكروه يحمل أبعادًا دنيوية وأخروية؛ فهو عبادة تتجلى فيها حقيقة التسليم لأمر الله تعالى والرضا بقضائه. فإذا صبر الإنسان واحتسب، نال التوفيق والعوض الجميل في دنياه، وظفر بثواب الصابرين في آخرته. ولأجل ذلك عبّر أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله: «وعوّد نفسك الصبر على المكروه»، الأن الصبر صفة قابلة للاكتساب من خلال تكرار التجمل به حتى يصبح خصلة ثابتة راسخة في أعماق النفس

: بتول علاء الطرفي