تتعدد الصور والمواقف في ملحمة كربلاء، بين مشاهد البطولة والتضحية والفداء، تجسّدها شخصياتٌ صغيرةٌ في أعمارها عظيمةٌ في مواقفها، وأخرى كبيرةٌ حملت أعباء الرسالة حتى آخر رمق.
ولعلّ من أشدّ تلك الصور إيلاماً وأعمقها أثراً لحظةُ انكسار الإمام الحسين (عليه السلام) عند سقوط عضيده وقمر بني هاشم أبي الفضل العباس (عليه السلام). ولم يكن ذلك الانكسار نابعاً من فقد أخٍ عزيزٍ فحسب وانما كان انعكاساً لعِظم المصاب الذي حلّ بالإسلام وقيمه ومبادئه التي كان العباس (عليه السلام) يمثّلها في أبهى صورها.
فالعباس (عليه السلام) كان م حاملٍ للواء ورمزاً للبصيرة النافذة والإيمان الصلب والوفاء المطلق، حتى وصفه الإمام زين العابدين (عليه السلام) بقوله: «رحم الله عمي العباس، فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه». وكان الإمام الحسين (عليه السلام) يرى فيه الركن الشديد الذي يستند إليه في مواجهة جموع الباطل.
لذلك جاءت كلمته الخالدة عند استشهاده: «الآن انكسر ظهري وقلّت حيلتي»، لتعبّر عن حجم الخسارة التي مُني بها معسكر الحق، ولتكشف أن سقوط العباس (عليه السلام) كان سقوطَه رايةٍ من رايات الإيمان والثبات، وتجسيداً لعِظم التضحيات التي قُدّمت من أجل بقاء الدين وحفظ مبادئ الإسلام المحمدي الأصيل.