كي نُعِدَّ فتاةً تعرف قيمة نفسها، وتتمسّك بمبادئها، وتواجه مواقف الحياة بثبات ووعي، لا بدّ من أن نوفّر لها قدوةً صالحة تستمدّ منها القيم والمبادئ. وبما أنّ غرس هذه القيم يبدأ منذ الصغر، قبل بلوغ مرحلة المراهقة، فإنّ هذه المرحلة تُعدّ أساسية في بناء شخصية الفتاة؛ إذ تتشكّل فيها أفكارها، وتنمو نظرتها إلى نفسها وإلى الآخرين، وتبدأ ملامح شخصيتها بالتكوّن.
فالتربية هي بناء متواصل يبدأ من الطفولة ويحتاج إلى رعاية ووعي وقدوة حسنة. وبما أنّ المرأة نصف المجتمع وركيزة أساسية في بناء الأسرة، فإنّ إعدادها ينبغي أن يبدأ منذ الصغر، لتنشأ بشخصية قوية وواعية، تعرف قيمة نفسها، وتتحمّل مسؤولياتها، وتتمسّك بمبادئها في مختلف مراحل حياتها.
وهنا تحضر السيدة زينب (عليها السلام)، بما تمثّله سيرتها من معاني الإيمان والصبر والبصيرة والشجاعة والكرامة والثبات على المبادئ. لكن كيف ننقل هذه المعاني من الحديث عن سيرتها إلى واقع بناتنا اليوم؟ وكيف نجعلها حاضرة في سلوكهنّ وقراراتهنّ اليومية؟
من السيرة إلى الموقف اليومي
أولًا: الثبات على المبادئ أمام ضغط الصديقات
قد تعود ابنتنا من المدرسة وهي تخبرنا أنّ صديقاتها يسخرن من طالبة بسبب مظهرها، أو يطلبن منها المشاركة في السخرية حتى لا تبدو مختلفة عنهنّ. هنا تأتي مسؤولية الأم في أن تناقش ابنتها بهدوء، وتسألها: هل يكون تصرّفنا صحيحًا لمجرد أنّ الجميع يفعله؟ وكيف تشعر الطالبة التي تعرّضت للسخرية؟
ومن خلال هذا الحوار، تتعلّم الفتاة ألّا تجعل رغبتها في القبول بين صديقاتها سببًا للتخلّي عن قيمها، وأنّ الثبات على المبدأ قد يحتاج أحيانًا إلى مخالفة المجموعة. وهنا نقرّب إليها معنى الشجاعة والثبات، وهما من المعاني التي نستحضرها عند الحديث عن السيدة زينب (عليها السلام).
ثانيًا: العفّة والحياء في التعامل مع الآخرين
قد تطلب إحدى الصديقات من ابنتنا إرسال صورة خاصة لها، أو قد تتعرّض لتعليق يزعجها على مواقع التواصل الاجتماعي، فلا تعرف كيف تتصرّف أو تخشى أن تُتّهم بالمبالغة إذا رفضت. في مثل هذه المواقف، من المهم أن نعلّمها أنّ لها الحق في حماية خصوصيتها، وأنّ من حقها رفض أي طلب لا ترتاح إليه، من دون أن تشعر بالذنب أو تضطر إلى إرضاء الآخرين على حساب حدودها.
كما ينبغي أن نوضح لها أنّ الحياء لا يعني الخجل من السؤال أو العجز عن التعبير عن الرأي، وأنّ العفّة ترتبط بالوعي واحترام النفس والآخرين، وبحسن الاختيار ومعرفة الحدود التي تصون كرامتها.
ثالثًا: الصبر عند الإخفاق وعدم تحقيق ما نريد
قد تحصل ابنتنا على درجة أقل مما كانت تتوقع في الامتحان، فتشعر بالإحباط وتقول: «أنا لا أستطيع النجاح». في هذه اللحظة، لن يفيد أن نقارنها بأختها أو بزميلاتها، ولا أن نذكّرها بأخطائها بطريقة تزيد شعورها بالعجز. بل يمكننا أن نجلس معها، ونراجع أسباب النتيجة، ونساعدها على وضع خطة بسيطة لتحسين أدائها في المرة المقبلة.
وهنا نعلّمها أنّ الصبر لا يعني ألّا نحزن عند الإخفاق، بل ألّا نجعل الإخفاق نهاية الطريق. ومن خلال الحديث عن صبر السيدة زينب (عليها السلام) وثباتها في المحن، نساعد ابنتنا على فهم قيمة الصبر بوصفه قوة تعين الإنسان على مواصلة الطريق وتحمل الصعوبات.
رابعاً: تحمّل المسؤولية داخل الأسرة
عندما تطلب الأم من ابنتها ترتيب أغراضها أو إنجاز واجبها المدرسي، ثم تتأخر البنت أو تنشغل بأمور أخرى، قد يكون من الأسهل أن تتولى الأم المهمة بدلًا منها. لكن تكرار ذلك يحرم الفتاة فرصة التعلّم وتحمل المسؤولية.
الأفضل أن نكلّفها بما يناسب عمرها، ونساعدها على تنظيم وقتها، ونتابع معها ما اتفقت على إنجازه. وإذا أخطأت، نوجّهها إلى إصلاح الخطأ بدل الاكتفاء باللوم. فالشخصية المسؤولة لا تتكوّن بالمطالبات وحدها، بل حين تتعلّم الفتاة أنّ لأفعالها نتائج، وأنّ عليها الوفاء بالتزاماتها.
خامساً: التعبير عن الرأي بثقة وأدب
قد تجلس الفتاة مع أفراد أسرتها، فتختلف مع أحدهم في رأي أو قرار، فيطلب منها أن تصمت لأنها أصغر سنًا. وإذا تكرر هذا الأسلوب، فقد تعتاد الصمت حتى عندما يكون لديها ما يستحق أن يُسمع.
لذلك، من المهم أن نتيح لها فرصة التعبير عن رأيها، وأن نعلّمها كيف تناقش الفكرة من دون تجريح، وكيف تستمع إلى الرأي المخالف من دون أن تتخلى عن حقها في التفكير. فبناء الشخصية الواعية لا يكون بفرض الآراء عليها، بل بمساعدتها على الفهم والتمييز واتخاذ المواقف عن قناعة.
سادساً: عدم الانجرار إلى نقل الكلام وإيذاء الآخرين
قد تسمع ابنتنا من صديقتها كلامًا عن طالبة أخرى، ثم يُطلب منها أن تنقله إلى بقية المجموعة. وهنا يمكن للأم أن تبيّن لها أنّ نقل كل ما تسمعه قد يسيء إلى الآخرين ويُفسد العلاقات، وأنّ من الحكمة ألّا تتسرّع في تصديق الكلام أو نشره، وأن تبتعد عن المشاركة في الغيبة والسخرية.
ويمكن أن نسألها: ماذا لو نُقل عنك كلام لم تقوليه؟ كيف ستشعرين؟ مثل هذه الأسئلة تساعدها على التفكير في أثر أفعالها، وتعلّمها احترام الناس وحفظ كرامتهم، بدل الاكتفاء بنهيها عن تصرّف لا تفهم أسبابه.
دور الأسرة في ترسيخ هذه القيم
إنّ الأم والأب لا يستطيعان بناء شخصية قوية لدى ابنتهما من خلال النصائح وحدها؛ فالفتاة تتأثر بما تراه في البيت بقدر ما تتأثر بما تسمعه. فإذا طلبنا منها الصدق، وجب أن نكون صادقين معها. وإذا أردنا منها احترام الآخرين، فلا بدّ أن ترى الاحترام في تعاملاتنا. وإذا شجّعناها على تحمّل المسؤولية، فعلينا أن نمنحها فرصة حقيقية لممارستها، مع توجيهها عندما تحتاج إلى المساعدة.
كذلك ينبغي ألّا يتحوّل الحديث عن العفّة والحياء إلى تخويف الفتاة أو إشعارها بالخجل من نفسها، بل إلى توعية تساعدها على فهم قيمتها، واحترام جسدها وخصوصيتها، والتمييز بين السلوك السليم والسلوك الذي قد يعرّضها للأذى. فكلّما فهمت الفتاة أسباب القيمة التي تتعلّمها، أصبحت أكثر قدرة على التمسّك بها حين تغيب رقابة الأسرة.
إنّ تعزيز شخصية السيدة زينب (عليها السلام) في نفوس بناتنا لا يتحقق بمجرد سرد سيرتها أو ترديد صفاتها، بل بأن نساعدهنّ على فهم هذه المعاني وربطها بمواقف حياتهنّ. فعندما تختار الفتاة الصدق بدل الكذب، وترفض السخرية من زميلتها، وتحمي خصوصيتها، وتواجه الإخفاق بالمحاولة، وتتحمل مسؤوليتها، فإنها تمارس قيمًا نريد لها أن تترسّخ في شخصيتها.