image

بعد وفاة معاوية، بايع الناس أجمعهم في الشام يزيد بن معاوية، وكان عمره ٣٥ سنة. فتح يزيد بيوت الأموال، فأخرج لأهل الشام أموالًا جزيلة، وفرّقها عليهم، ثم كتب الكتب إلى جميع البلاد يأمر بأخذ البيعة له.

عن أبي مخنف لوط بن يحيى الكوفي الأخباري: كان أمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وأمير الكوفة النعمان بن بشير، وأمير البصرة عبيد الله بن زياد، وأمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص. ولم تكن ليزيد همّة حين تولّى إلّا بيعة الأفراد الذين امتنعوا على معاوية من البيعة ليزيد.

كتب يزيد إلى الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كتابًا خاصًا من دون كتب الأمصار الأخرى، وكان أميرًا على المدينة، ينعى إليه موت معاوية، ويأمره أن يأخذ البيعة على من فيها.

يقول فيه:

"أما بعد، يا أبا محمد، إذا قرأت كتابي هذا فخذ لي البيعة على من قبلك عامة، وعلى هؤلاء الأربعة خاصة:

أولهم عبد الرحمن بن أبي بكر، والثاني عبد الله بن عمر، والثالث عبد الله بن الزبير، والرابع الحسين بن علي بن أبي طالب.

 فمن لم يُبايعك منهم فاضرب عنقه، وأنفذ إليّ برأسه مع جواب كتابي هذا، والسلام."

وأنفذ الكتاب مع رجلين من أصحابه إلى الوليد بن عتبة، وكان قدومهم لعشر خلون من شعبان، فلما قدِموا بالكتاب إلى ابن عتبة قرأه، وبعث إلى مروان بن الحكم يدعوه للتشاور معه.

الوليد بن عتبة: هو ابن عتبة بن أبي سفيان بن حرب، ولاّه عمه معاوية بن أبي سفيان المدينة، وأمره بأخذ البيعة لابن عمه يزيد بعد وفاة عمه معاوية، الذي توفي بمرض الطاعون.

وتعالَ معي ـ عزيزي القارئ ـ لنُحلل: هل تكون البيعة بالإجبار؟

إن هذا الأمر يُؤدي إلى إسقاط أحد شروط البيعة، إذ إنها لا تنعقد إلا بالرضا والاختيار، ولا بيعة في الإسلام لمُكرَه.

كتب يزيد ـ لعنه الله ـ إلى ابن عمه والي المدينة:

"من عبد الله يزيد بن معاوية أمير المؤمنين، إلى الوليد بن عتبة، أما بعد:

فإن معاوية قد كان عهد إليَّ عهدًا، وجعلني له خليفة من بعده، وأوصاني أن أُحدِث آل أبي تراب بآل أبي سفيان، لأنهم أنصار الحق وطلاب العدل.  

فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ الحسين بن علي، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، أخذًا عنيفًا، ليس فيه رخصة.

فمن يأبَ عليك منهم فاضرب عنقه."

وكذلك جاء ذلك في الفتوح لأعثم بن محمد الكوفي (سنة ٣١٤ هـ)، حيث ذكر فيه أن يزيد أمر الوليد بن عتبة باستدعاء الإمام الحسين عليه السلام وأخذ البيعة منه.

وقد توقّع الحسين عليه السلام أن المسألة ليست مسألة بيعة بالاختيار أو يُطبّق فيها مبدأ الشورى، وإنما هي بيعة بالقوة أو القتل.

وقد تأكد له هذا التوقع، عندما كتب يزيد إلى الوليد في المدينة يطلب منه بيعة الحسين وأهل المدينة، وحدد يزيد في رسالته للوليد ـ الذي كان عامل معاوية على المدينة في نهاية حكمه ـ:

"أما بعد، فخذ الحسين بن علي، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، أخذًا عنيفًا ليس فيه رخصة، فمن أبى عليك منهم فاضرب عنقه، وابعث إليّ برأسه."

فلما ورد الكتاب إلى الوليد بن عتبة قال:

"إنّا لله وإنّا إليه راجعون، ويح الوليد بن عتبة، ما لي وللحسين بن فاطمة؟!"


ومن ثقل ما في الكتاب، بعث الوليد إلى مروان بن الحكم في نفس الليلة يستشيره فيه، فقرأه مروان مرارًا، وقال للوليد:

"ابعث إليهم وادعهم إلى البيعة، فإن لم يُبايعوا فاضرب أعناقهم قبل علمهم بوفاة معاوية."

قال الوليد للإمام الحسين عليه السلام:

"إن أمير المؤمنين يزيد يأمرك أن تُبايع له."

فقال الحسين عليه السلام:

"يا وليد بن عتبة، علمت أنا أهل بيت الكرامة، ومعدن الرسالة، وأعلام الدين، أودعه الله عز وجل قلوبنا، وأنطق به ألسنتنا، فنطقت بأذن الله عز وجل.

ولقد سمعت جدي رسول الله ﷺ يقول: إن الخلافة محرّمة على ولد أبي سفيان.

فكيف أبايع أهل بيتٍ قد قال فيهم رسول الله هذا؟"

فلما سمع الوليد ذلك، دعا الكاتب وكتب:

"بسم الله الرحمن الرحيم

إلى عبد الله يزيد أمير المؤمنين

من الوليد بن عتبة بن أبي سفيان

أما بعد، فإن الحسين لا يرى لك خلافة ولا بيعة، فرأيك في أمره، والسلام."

فكتب يزيد الجواب إلى الوليد:

"فإذا أتاك كتابي هذا، فعجّل عليّ بجوابي، وبيّن لي في كتابك كل من في طاعتي أو خرج عنها، وليكن مع الجواب رأس الحسين بن علي."

فبلغ ذلك إلى الحسين، فَهَمّ بالخروج من أرض الحجاز إلى أرض العراق.

وقد ذكر أبو مخنف هذه الأحداث بين طرفين:

الطرف الأول: الإمام الحسين عليه السلام وجماعته

فلما تأكد موت معاوية، علم الإمام الحسين عليه السلام بذلك، وعلمت المدينة أيضًا.

اجتمع المعارضون قرب قبر الرسول ﷺ، فسألوا الإمام الحسين:

"ماذا تفعل مع ابن عتبة حين يطلب منك البيعة ليزيد؟"

فقال لهم عليه السلام:

"إني لا آتيه إلا وأنا ممتنع منه إن شاء الله."

بعدها اجتمع الحسين عليه السلام مع مواليه وأهل بيته وعشيرته في المدينة، وذهبوا جميعًا إلى الوليد.

الطرف الثاني: الوليد بن عتبة ومروان بن الحكم

عندما أتى الرسول بكتاب يزيد إلى الوليد، وقرأه الوليد مرارًا، بعث إلى مروان بن الحكم، فأراه الكتاب، فقرأه واسترجع، وقال مروان:

"رحم الله أمير المؤمنين معاوية."

فقال له الوليد:

"أشر عليّ برأيك في هؤلاء القوم، كيف ترى أن أصنع معهم؟"


فقال مروان:

"ابعث إليهم في هذه الساعة، فادعهم إلى البيعة والدخول في طاعة يزيد، فإن فعلوا قبلت ذلك منهم، وإن أبَوا، قدمهم واضرب أعناقهم قبل أن يدروا بموت معاوية.

فإنهم إن علموا ذلك، وثب كل رجل منهم، فأظهر الخلاف، ودعا إلى نفسه، فعند ذلك أخاف أن يأتيك من قبلهم ما لا قِبَل لك به، وما لا تقوم له.

إلا عبد الله بن عمر، فإني أراه لا يُنازع في هذا الأمر أحدًا."

ثم قال مروان للوليد:

"إن الحسين لا يُجيبك إلى بيعة يزيد أبدًا، ولا يرى عليه طاعة، ووالله، لو كنتُ في موضعك لم أراجع الحسين بكلمة واحدة، حتى أضرب رقبته، كائنًا في ذلك ما كان."

فأطرق الوليد بن عتبة إلى الأرض ساعة، ثم رفع رأسه ـ كأنه في حيرة شديدة وقلق بين إرضاء يزيد وحق الحسين عليه السلام وشدته في الحق.

فقال له مروان بن الحكم متهكمًا:

"أوه أيها الأمير، لا تجزع مما قلت لك، فإن آل أبي تراب هم الأعداء في قديم الدهر، ولم يزالوا.

وهم الذين قتلوا الخليفة عثمان، ثم ساروا إلى أمير المؤمنين فحاربوه (يقصد معاوية).

وبعد، فإني لست آمن أيها الأمير، أنك إن لم تُعالج الحسين بن علي خاصة، أن تسقط منزلتك عند أمير المؤمنين يزيد."

بعد سماع الوليد مشورة مروان، بعث الوليد إلى الأربعة نفر في البداية في جنح الليل.

محاورة ابن الزبير مع الإمام الحسين عليه السلام قبل ذهابه إلى قصر الوليد

كان الإمام الحسين عليه السلام في المسجد، يناقش ابن الزبير في أمر وفاة معاوية وخلفه يزيد، وهو مهموم منزعج في أمر الأمة وما يؤول إليه تسلّم يزيد الحكم، لاسيما أنه كان يعرف جور معاوية واستهتار يزيد، وأن حاكم المدينة ابن عم يزيد.

ولك عزيزي القارئ التفاصيل:

لما استدعى الوليد بن عتبة الإمام الحسين عليه السلام وابن الزبير في ساعة متأخرة من الليل، استغرب عبد الله بن الزبير، وقال للإمام الحسين عليه السلام:

"يا أبا عبد الله، إن هذه ساعة لم يكن الوليد بن عتبة يجلس فيها، وإني قد أنكرت ذلك، وبعثه في هذه الساعة إلينا، ودعاؤه إيانا لمثل هذا الوقت.

أتدري ماذا يريد الوليد منا؟"

قال الإمام الحسين عليه السلام:

"نعم، اعلموا أن معاوية قد مات، وتولّى الأمر بعده يزيد، وقد أنفذ إلى الوليد أن يأخذ له البيعة عليكم، وقد وجّه في طلبكم."

فقال عبد الرحمن بن أبي بكر:

"أما أنا، فأدخل داري وأُغلق بابه علي، ولا أُبايع يزيد."

وقال عبد الله بن عمر:

"أما أنا، فعليّ بقراءة القرآن، ولزوم المحراب، ولا أبايع يزيد."

وقال عبد الله بن الزبير:


"أما أنا، فما كنت أبايع يزيد."

وقال الحسين عليه السلام:

"أما أنا، فأجمع فتياني وأصحابي، وأتركهم في فناء الدار، وأدخل على الوليد، وأطلب بحقي، وأُناظره."

فقال له عبد الله بن الزبير:

"إني خائف عليك يا مولاي منه."

فقال له الحسين عليه السلام:

"لست آتيه إلا وأنا قادر على الامتناع منه إن شاء الله تعالى."

فرد عليه ابن الزبير:

"جعلت فداك يا ابن بنت رسول الله، إني خائف عليك أن يُحبسوك عندهم، فلا يُفارقونك أبدًا، دون أن تبايع أو تُقتل."

فقال له الإمام الحسين عليه السلام:

"إني لست أدخل عليه وحدي، ولكن أجمع أصحابي إليّ وأنصاري وأهل الحق من شيعتي، ثم آمرهم أن يأخذ كل واحد سيفه مسلولًا تحت ثيابه، ثم يصيروا بإزائي، فإذا أنا أومأت إليهم وقلت: يا آل الرسول ادخلوا، دخلوا، وفعلوا ما أمرتهم به.

فأكون على الامتناع، ولا أُعطي المقادة والذلة من نفسي، فقد علمت والله أنه جاء من الأمر ما لا قوم به، ولكن قضاء الله ماضٍ في، وهو الذي يفعل في بيت رسوله ما يشاء ويرضى."


: د.وفاء كاظم