image



يُعد موضوع ميراث الجنين أو ما يسمى بـ ميراث الحمل من الموضوعات المهمة التي يجب على كل شخص وباحث ومهني في مجال القانون أن يكون ملمًا بها إلمامًا كافيًا. وتبرز أهمية هذا الموضوع في ظل كثرة وفاة الشباب وتركهم زوجات حوامل يحملن في أحشائهن أجنة لم ترَ النور بعد، بسبب الحروب أو الحوادث المختلفة.

أهمية البحث

تتجسد أهمية البحث في تعلقه بالحقوق الشخصية والمالية والإرثية الشرعية والقانونية، فضلًا عن موقف الفقه الإسلامي والقانون من ميراث الجنين.

هيكلية البحث

انتظمت هيكلية البحث في مطلبين:

المطلب الأول: تعريف الجنين لغةً وفقهًا وقانونًا.

المطلب الثاني: نصيب الجنين من الإرث، مع إعطاء بعض الأمثلة.

المطلب الأول: تعريف الجنين لغةً واصطلاحًا وقانونًا

الفرع الأول: تعريف الجنين في اللغة

لقد ورد في معاجم اللغة أنّ اشتقاق كلمة جنين هو المستور. وفي معجم لسان العرب: جنّ الشيء يجنه جنًّا: ستره. وكل شيء ستر عنك فقد جنّ عنك.

وقد ترد كلمة جنن اسمًا ومعناها القبر أو الكفن، وهو اسم جمعه جنة. وفي الحديث: جنّ عليه الليل أي ستره. وبه سُمّي الجن لاختفائهم عن الأبصار.

ومن ذلك قوله تعالى: {من الجنة والناس أجمعين}. وعن الجوهري: الجن خلاف الإنس، ومنه سُمّي الجنين لاستتاره في بطن أمه. ويقال لكل ما سُتر: جنّ وأجنّ.

الجَنَن بالفتح: القبر لستره الميت.

الجنن أيضًا: الكفن. وأجنه: كفنه.

الجن قد تأتي بمعنى الجنون.

الجَنان بالفتح: القلب لاستتاره في الصدر.

والجنين: هو الولد ما دام في بطن أمه لاستتاره فيه، وجمعه أجنة. وقد يقال: جنا الجنين في الرحم يجنّ جنًّا وأجنته الحامل. والمجنة: الموضع الذي يُستتر فيه.

الجَنين لغة: بفتح الجيم على وزن "عظيم"، وجمعه "أجنة". ومنه الاجتنان، وهو الفترة التي يكون فيها الإنسان جنينًا من لحظة العلوق إلى الولادة. ويطلق عليه جنين مجازًا، وهو المادة التي تتكون في الرحم من التقاء الحيوان المنوي بالبويضة.


اختلاف العلماء في إطلاق اسم الجنين:

المالكية والظاهرية وبعض الحنفية: الحمل يسمى جنينًا منذ لحظة التلقيح، سواء كان نطفة أو علقة أو مضغة.

الشافعية والحنابلة وجمهور الحنفية: الحمل لا يسمى جنينًا إلا إذا ظهرت ملامح الخلق الآدمي أو شهد الثقات بأنه مبدأ آدمي، وما قبل ذلك يطلق عليه مجازًا.

الفرع الثاني: تعريف الجنين في الاصطلاح والقانون

في الاصطلاح الفقهي:

الجنين هو ثمرة الحمل في رحم الأم، من بدء التكوين بعد التلقيح.

فقهيًا: الجنين ما استتر في بطن أمه؛ فإن خرج حيًا فهو ولد، وإن خرج ميتًا فهو سقط. قال تعالى: {وأذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم}.

في القانون:

الجنين هو من في بطن أمه. وقد ورد توضيحه في القانون المدني ضمن أهلية الوجوب.

فالجنين يُفترض حيًا ما دام في بطن أمه، ويُعترف له ببعض الحقوق مثل:

حقه في الإرث.

حقه في الوصية.

أما التصرفات التي تحتاج إلى قبول كالهدية والهبة، فهي محل خلاف، لكن الراجح أنها تثبت له لأنها نافعة له نفعًا محضًا كحال الوصية.

النصوص القانونية:

المادة (1195) من القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 المعدل:

"إذا كان بين أصحاب حق الانتقال حمل يؤخر الانتقال إلى ولادته."

نصت المادة (6) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان:

"لكل إنسان أينما وُجد أن يُعترف بشخصيته القانونية."

وبما أن لفظ إنسان يشمل الطفل والجنين والرجل والمرأة، فقد أُقرّ للجنين بالشخصية القانونية، وإن كانت محدودة.

أما الإسلام فقد سبق القانون الوضعي، إذ اعترف للجنين بحقوقه المادية والشرعية منذ كونه في رحم أمه.

المطلب الثاني: شروط وأسهُم الجنين من الإرث

الفرع الأول: شروط توريث الجنين

يشترط الفقهاء شرطين أساسيين لتوريث الجنين:

أن يكون موجودًا في بطن أمه وقت وفاة المورّث.

أن يولد حيًا ولو للحظة واحدة، وتُعرف حياته بعلامات مثل: البكاء، العطاس، التثاؤب، مصّ الثدي، أو تحريك الأعضاء.

قال الرسول (صلى الله عليه واله): "إذا استهل المولود ورث."


آراء الفقهاء:

الحنفية: يرث إذا خرج أكثره حيًا.

الشافعية والجمهور: لا يرث إلا إذا انفصل كاملًا حيًا.

الجعفرية: يرث إذا كانت حركته إرادية، ويوقف له نصيب ذكرين احتياطًا.

الفرع الثاني: كيفية احتساب إرث الجنين

يُوقف للجنين نصيب ذكر أو ذكرين احتياطًا لاحتمال كونه توأمًا.

إذا وُلد ذكرًا يأخذ نصيبه.

إذا وُلد أنثى يُعطى نصيبها ويُعاد توزيع الفائض.

إذا وُلد ميتًا لا يرث وتُعاد القسمة كأنه لم يكن.

مثال تطبيقي:

توفي رجل عن: زوجة حامل + أب.

نصيب الأب: السدس.

نصيب الزوجة: الثمن.

الباقي للجنين (ذكرًا أو أنثى حسب الفرض).

الخاتمة

يتضح من خلال البحث أن الفقه الإسلامي سبق القوانين الوضعية في حفظ حقوق الجنين، حيث اعتبره وارثًا محتملًا، ووقف له نصيبًا من التركة حتى تتضح حالته بعد الولادة. كما جاء القانون العراقي متوافقًا مع هذا الاتجاه، فنصّ على تأجيل القسمة حتى ولادته. وبذلك تحققت العدالة، وحُفظت حقوق الأجنة في مواجهة الظروف المختلفة.


المصادر والمراجع

(كما وردت في النص الأصلي، مع الترقيم والتنظيم)

القاضي محمد حسن كشكول والقاضي عباس السعدي، شرح قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل، المكتبة القانونية، بغداد.

القاضي عباس السعدي والمحامي هادي عزيز علي، المبسوط في احتساب المسألة الإرثية، شركة العاتك، القاهرة، 2002.

د. جواد أحمد البهادلي، الوصايا والمواريث في ضوء قانون الأحوال الشخصية العراقي طبقًا للمذاهب الخمسة، النجف الأشرف، 2016.

السيد أبو القاسم الخوئي والسيد علي السيستاني، المسائل المنتخبة، دار الصفوة، بيروت، 2007.

السيد أبو القاسم الخوئي، منهاج الصالحين، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، 1980.

السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم، الأحكام الفقهية، دار الهلال، 2003.

علي محمد إبراهيم الكرباسي، شرح قانون الأحوال الشخصية العراقي، دار الحرية، بغداد، 1989.

القوانين العراقية:

القانون المدني العراقي رقم 40 لسنة 1951 المعدل.

قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل.

قانون المرافعات المدنية العراقي رقم 83 لسنة 1969 المعدل.

قانون رعاية القاصرين رقم 78 لسنة 1980 المعدل.


المواقع الإلكترونية:

almaany.com

maajim.com

: د. نهضة عبد الحسين الخفاجي