image

 

 خلف الشاشة… كانت ابنتي تعيش يومها بطقوسٍ لم أعد أفهمها.

تستيقظ مبكرًا، لتبدأ يومها كفتاة اخرى، تلوّن وجهها، وتعد نفسها لتقف خلف قضبان شاشةٍ باردة، تؤدي دورًا ليس لها.

كانت تتقمص حياةً أخرى، تعيش روحًا في جسدٍ لا يشبهها، وترتدي ملامح أكبر من عمرها… حتى اختفت ملامح ابنتي التي أعرفها.


لم أدرك حينها حجم الكارثة التي كانت تتشكل بصمت.

كانت تفعل كل ما يُطلب منها… دون استثناء.

نفس الحركات، نفس الكلمات، حتى طريقة الأكل، واللباس، والنوم… كل شيء أصبح نسخة مكررة.

وكأنها لم تعد تملك ذاتها.

بدأ خوفي يتحول إلى فزع… ثم إلى فقدانٍ حقيقي.

الأم:

لقد فقدت ابنتي… تاهت في عالمٍ لا يمكن النجاة منه.

إنها غارقة في تفاصيله، لم تعد هي.

حاولت مرارًا أن أنتشلها مما هي فيه، لكنهم كانوا أقوى مني… ومن والدها.


المستشارة:

اهدئي قليلًا… وخذي نفسًا عميقًا.

ما تمرين به ليس سهلًا، لكنه ليس مستحيل الحل.


الأم (بصوتٍ يرتجف):

لم أكن أتوقع أن يصل الأمر إلى هذا الحد.

ابنتي ذات الستة عشر عامًا… أصبحت أسيرة لوسائل التواصل الاجتماعي.

تتبع كل "ترند"، تقلّد كل ما تراه، وكأنها تبحث عن شيءٍ لا تعرفه.

حاولت معها كثيرًا… نصحتها، حذّرتها، لكن دون جدوى.

لم تكن هكذا في البداية… كل شيء تغيّر منذ أن أهديتها الهاتف بعد نجاحها في المرحلة الابتدائية.


المستشارة:

وهنا تكمن نقطة البداية…

ليس في الهاتف بحد ذاته، بل في توقيت استخدامه، وغياب التوجيه والوعي.

فالدخول المبكر إلى هذا العالم دون إعداد، يجعل الطفل عرضة للتأثر بكل ما يراه، دون قدرة على التمييز.

إن هذا الفضاء ليس بريئًا كما يبدو…

هناك محتوى موجّه، ورسائل غير مباشرة، وصناعة لاهتمامات وسلوكيات قد لا تنسجم مع قيم الأسرة أو هوية الفرد.

والمشكلة أن هذا التأثير لا يأتي بشكلٍ صريح، بل يتسلل بهدوء إلى الفكر والسلوك.


الأم: ست رحاب 

نعم… الآن بدأت أفهم.

لم تكن المشكلة في ابنتي فقط… بل في كل ما يحيط بها.

لكن ماذا أفعل الآن؟ كيف أستعيدها؟

المستشارة:

الأمر ليس سهلًا… لكنه ممكن.

ابنتك لا تحتاج إلى المنع فقط، وانما إلى الفهم والاحتواء.

نحن أمام جيل مختلف، يفكر بطريقة مختلفة، ويبحث عن الإجابة خلف كل رفض.

هي بحاجة إلى من يقترب منها، لا من يبتعد عنها.

إلى حوار، لا إلى أوامر.

إلى توجيهٍ قائم على الإقناع، لا على السيطرة.


ما تحتاجينه هو بناء وعيها من الداخل…

تعليمها كيف تستخدم هذا العالم، لا كيف تهرب منه.

تعريفها بالجوانب الإيجابية والسلبية، وفتح باب النقاش حول كل ما تراه.


وقد يتطلب الأمر تدخلًا متخصصًا، كالعلاج السلوكي المعرفي، لمساعدتها على فهم ذاتها، واستعادة توازنها، وبناء هويتها من جديد.


لأن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها…

أن أبناء هذا الجيل لا يمكن فصلهم عن العالم الرقمي،

لكن يمكننا أن نعلّمهم كيف يعيشون فيه دون أن يفقدوا أنفسهم.


فالتربية في هذا الزمن… لا تبدأ عند وقوع المشكلة تبدأ منذ اللحظة الأولى التي نضع فيها العالم بين أيديهم


 


: فاطمة الحسيني