قال الإمام محمد الجواد (عليه السلام): «من أصغى إلى ناطقٍ فقد عبده، فإن كان الناطق عن الله فقد عبد الله، وإن كان الناطق ينطق عن لسان إبليس فقد عبد إبليس»
يُبيّن الإمام الجواد (عليه السلام) في هذا الحديث الشريف خطورة الإصغاء والاتباع وما يترتّب عليهما من آثار فكرية وسلوكية ودينية وأخلاقية، وما له من تأثيرٌ داخلي عميق يُعبّر عن نوعٍ من السيطرة الخفيّة التي تقود إلى الانقياد والخضوع. فالإنسان حين يُنصت بقلبه وعقله، يمنح المتكلّم سلطة التأثير والتوجيه، وكأنّه يرفعه إلى مقام الطاعة والاتباع.
ويؤكّد الإمام الجواد (عليه السلام) أنّ العبادة لا تقتصر على أداء الواجبات الشرعية فحسب، بل تمتدّ لتشمل عبادة الجوارح؛ من سمعٍ وبصرٍ ولسانٍ وقلب. فمَن أصغى إلى من يتحدّث عن الله وقيمه، فقد جعل إصغاءه عبادةً لله، أمّا من يُصغي إلى خطابٍ شيطاني يروّج للهوى والانحراف، فقد انقاد لإبليس وإن لم يشعر.
ويؤكّد القرآن الكريم هذا المعنى بقوله تعالى:﴿ حَتّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
سورة فصلت – الآية 20
حيث تشمل الآية كلّ منافذ الإدراك والحس، مما يدلّ على أنّ المسؤولية الأخلاقية والشرعية لا تقتصر على الأفعال الظاهرة، بل تشمل ما يسمعه الإنسان، وما ينظر إليه، وما يصدر عنه بجوارحه.
وفي عصرنا الرقمي، حيث تضخّ صناعة المحتوى أفكارها بلا توقّف، تتجلّى مصاديق هذا الحديث بوضوحٍ أكبر؛ إذ نرى كثيرين ينساقون خلف أصواتٍ تتزيّن بشعارات الشهرة أو الحرية أو التجربة، لكنها في حقيقتها تُعيد إنتاج القيم الشيطانية. فالمشكلة لم تعد في مجرّد الإصغاء، بل في التماثل والتقليد والانصياع التام؛ حيث يتكلّم الإنسان بألسنتهم، ويفكّر بعقولهم، ويتّخذهم نماذج يُحتذى بها، وكأنّهم المرجع الأعلى للفهم والتجربة.
وهكذا يتحوّل الإصغاء من وسيلةٍ للاستفادة وبناء الوعي إلى عبودية فكرية وسلوكية، تُفرغ الإنسان من وعيه، وتُبعده عن ميزان الحق، وهو ما حذّر منه أهل البيت (عليهم السلام) بوضوحٍ ودقّة.
هذا الحديث يؤسّس لقاعدة نفسية وتربوية مفادها: أن الإنسان يُربَّى ويُشكَّل من خلال ما يُصغي إليه قبل ما يفعله، وأن الإصغاء غير الواعي قد يتحوّل إلى عبودية خفيّة تُغيّب العقل وتُضعف الإرادة.
الوقاية والنصائح المستفادة من حديث الإمام الجواد (عليه السلام)
الوقاية على المستوى الفردي
1. مراقبة الإصغاء قبل مراقبة الفعل
اسأل نفسك دائمًا: لمن أُصغي؟ ولماذا؟ فما يدخل عبر السمع والبصر هو البذرة الأولى للفكر والسلوك.
2. تفعيل الرقابة الذاتية الدائمة
اجعل ضميرك ووعيَك هو الحارس الدائم لجوارحك.
3. عدم تحويل المشاهير إلى مراجع فكرية
الشُّهرة لا تعني الصواب. قِس الخطاب بالميزان الديني القيمي والعقلي، لا بعدد المتابعين أو الإعجابات.
4. التدرّب على الصمت الواعي
ليس كل محتوى يستحق السماع أو الرد. الانسحاب أحيانًا حماية للنفس والعقل.
5. موازنة المدخلات المعرفية
كما يحتاج الجسد لغذاء صحي، يحتاج العقل لخطاب هادف (قرآن، فكر، علم نافع) ليقاوم الخطاب الملوّث.
ثانياً:الوقاية التربوية (للأسرة والمربين)
•تربية الأبناء على سؤال (لماذا أتابع؟)
علّم الطفل واليافع تحليل المحتوى بدل منعه فقط؛ فالمنع بلا وعي يولّد التمرّد.
•بناء قدوات صحيحة داخل البيت
القدوة الواقعية أقوى من كل خطاب توجيهي؛ فالأبوان والمربّون هم المرجع الأول.
•تحديد أوقات واضحة للتعرّض الرقمي
•التنظيم الزمني يُضعف التعلّق ويمنع الإدمان الخفي.