ميزان الحكمة في زمن المشاهير
من وصيّة الإمام موسى الكاظم عليه السلام لهشام بن الحكم، قوله الشريف:
«لا تمنحوا الجهّال الحكمة فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم».
يبين الإمام عليه السلام في هذا القول موضع إيداع الحكمة ومن يستحق حملها، فينهى عن وضعها في غير أهلها من الجهّال الذين لا يميّزون بين الصواب والخطأ، ويستبدّون بآرائهم المنحرفة، ولا يعرفون قدر أنفسهم ولا حقيقة وجودهم في هذه الحياة، فتستحوذ عليهم الدنيا وشهواتها، ويغترّون بزخرفها، فيبتعدون عن الله ويعرضون عن طريق الحق.
وهذا الشقّ الأوّل من كلام الإمام (عليه السلام) ينطبق بوضوح على واقع نعيشه اليوم، ولا سيّما ما نشاهده على منصّات التواصل الاجتماعي، حيث برزت فئات تُطلق على نفسها صفة «المشاهير»، وتتصدّر المشهد لتقود المجتمع بأفكارها وسلوكياتها تحت مسمّيات مختلفة، ويُروَّج لها على أنّها «ترند» أو موضة العصر.
فنلحظ تراجع القيم وغياب الغيرة في العلاقات الزوجية، وانتهاك خصوصيّة البيوت، واستباحة حياة الأسرة أمام العلن، حتى الأطفال لم تُراعَ براءتهم، ولم تُحكمهم ضوابط تربوية، بل جرى الزجّ بهم في أجواء حفلات غنائية صاخبة، وعرض بناتهم وهنّ يتمايلن عبر شاشات الهواتف والتلفاز، في مشاهد تُفرغ الطفولة من معناها، وتشوّه الفطرة السليمة.
وفي هذا المشهد تتجلّى مصاديق الجهل الذي حذّر منه الإمام الكاظم عليه السلام؛ ففئات تقود المجتمع بالغريزة لا بالعقل، وتنساق خلف التبرّج والانفلات السلوكي، وتُسهم بقصد أو بغير قصد، في تمييع القيم وتشويه الحكمة حين تُقدَّم منابر التأثير لمن لا يملكون وعيًا ولا مسؤولية، فيكون ذلك ظلمًا للحكمة وظلمًا للمجتمع معًا.
ويعود السبب في تفشّي هذه الظاهرة، إلى من منح هؤلاء الشهرة والمتابعة والإعجاب والتعليق، وتفاعل مع محتواهم الفارغ الخالي من القيم والفضائل الحسنة، وساهم في تداوله ونشر أخبارهم، حتى تحوّلوا مع الزمن إلى مادة إعلامية دائمة. فظهرت منصّات وبرامج تتحدّث عنهم، وتسلّط الضوء على تفاصيل حياتهم البائسة، بل وتستضيفهم ليقدّموا «نصائح» مستمدّة من تجارب فاشلة، لا تحمل وعيًا ولا مسؤولية.
ومع هذا التضخيم الإعلامي، أُلبست عليهم ثياب الحكمة زورًا، حتى غدوا في نظر البعض «حكماء العصر»، يطلقون الأحكام، ويوجّهون السلوكيات، ويرفضون كل رأي يخالف أهواءهم وشهواتهم ودوافعهم الغريزية. ولم يقف الأمر عند هذا الحدّ، بل تعدّاه إلى التصادم مع الدين وقواعده وأحكامه، وتحريف مفاهيمه، فصار الحجاب يُصوَّر على أنّ خلعه حرّية شخصية، وارتداؤه خيارًا لا واجبًا، والغناء يُحلَّل، والمنكر يُقدَّم على أنّه أمر مباح أو طبيعي.
وهكذا تتجسّد وصيّة الإمام الكاظم عليه السلام بأوضح صورها في هذا الواقع؛ إذ مُنحت الحكمة لغير أهلها، فظُلِمت وشُوِّهت، وسُلِّط الضوء على الجهل، فصار منبرًا للتأثير، بينما أُقصي العقل والدين والقيم عن ساحة التوجيه، فكانت النتيجة انحرافًا في الوعي، واضطرابًا في الميزان الأخلاقي للمجتمع.
أمّا الشقّ الثاني من الوصيّة: «ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم»، فهو تحذير بالغ من كتمان الحكمة عن مستحقّيها، أولئك الذين يمتلكون العقل الراجح المؤيَّد بالحق، والبصيرة الواعية التي تميّز بين الهدى والضلال. وهم الذين يسعون طيلة حياتهم إلى نصرة دين الله، وإعلاء كلمته، ومحاربة الفساد، ومواجهة الظلم بكل أشكاله، لا بدافع المصلحة ولا طلبًا للشهرة، بل التزامًا بالمسؤولية الشرعية والأخلاقية.
هؤلاء هم الذين يتصدّون للهجمات الفكرية بالمنطق والحكمة والموعظة الحسنة، ويقفون سدًّا منيعًا أمام محاولات تمييع القيم وتشويه العقيدة. تربّوا على نهج أهل البيت عليهم السلام، واستقوا من معينهم الحكمة والبصيرة، وتخرّجوا من مدارسهم على الفضيلة والوعي والالتزام، فكانوا أمناء على الكلمة، وحملة للرسالة، وجسورًا بين الدين والواقع.
ومنع الحكمة عن أمثال هؤلاء ظلمٌ مضاعف؛ ظلم لهم لأنهم أحقّ الناس بها، وظلم للمجتمع لأن حرمانهم منها يعني إقصاء صوت الحق، وترك الساحة فارغة لأهل الجهل والهوى، وهو ما حذّر منه الإمام الكاظم عليه السلام في وصيّته الخالدة.