روي عن الإِمام الصادق عليه السلام: «أيّما ناشئ نشأ في قوم ثمّ لم يؤدّب على معصية، فإنّ الله عزّ وجلّ أوّل ما يعاقبهم فيه أن ينقص من أرزاقهم».[1]
لقد أمرتنا الشريعة الإسلامية بأن نربي أولادنا تربية إسلامية صحيحة وفق نهج محمد وآل محمد عليهم السلام، ولا تقتصر تربية الأولاد على الأبوين فحسب بل هي مسؤولية اجتماعية تقع أيضاً على عاتق جميع أفراد المجتمع، لقوله عليه السلام «أيّما ناشئ نشأ في قوم» فالقوم هم المجتمع بما فيه من الأسرة، والمدرسة، والأقارب، والأصدقاء، والجيران، ومسؤولي الدولة، ولكن المسؤولية الرئيسية تقع على عاتق الوالدين.
ويترتب على إهمال التأديب من قبل الوالدين والمجتمع آثار وخيمة، منها فساد الأولاد وما يترتب عليه من إفساد المجتمع وجلب الخزي والعار، روي عن الإمام علي عليه السلام: «ولد السوء يهدم الشرف، ويشين السلف»[2]
ويترتب على الاستخفاف بالتأديب آثار دنيوية عديدة، واحدة من تلك الآثار يكشف عنها الإمام الصادق عليه السلام في الحديث -محل البحث- بأنه سيؤثر سلباً على الاقتصاد، لقوله «فإنّ الله عزّ وجلّ أوّل ما يعاقبهم فيه أن ينقص من أرزاقهم»[3]، ولذا تجدون أغلب الناس يعانون من قلة البركة والرزق، وعندما نأتي للواقع نجد أن السبب الرئيسي هو تركهم للتأديب، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فصرن النسوة يتبرجن ويركبّن الأظافر والرموش ويضعن المكياج ولا يوجد من يؤدِّبهن ولو بالوعظ والإرشاد، ويُبدي الاستياء، وهكذا الحال مع ترك الصلاة وسماع الأغاني وعقد العلاقات غير الشرعية.. إلخ.
والمصيبة الكبرى تكمن في الآثار الأُخروية، حيث يترتب على إهمال التربية والتأديب أن يتبرأ منهم رسول الله صلى الله عليه وآله وينتهي أمرهم بدخولهم النار، روي عن النبي صلى الله عليه وآله، أنه نظر إلى بعض الأطفال فقال: «ويلٌ[4] لأطفال آخر الزمان من آبائهم» فقيل: يا رسول الله، من آبائهم المشركين؟ فقال: «لا من آبائهم المؤمنين، لا يعلمونهم شيئاً من الفرائض، وإذا تعلموا أولادهم منعوهم، ورضوا عنهم بعرض يسير من الدنيا، فأنا منهم برئ وهم مني براء» [5]
في قِبال ذلك من يتعب على تربية أولاده، ويُحْسن تأديبهم فسوف يحجبونه من النار، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «من كانت له ابنة فأدبها وأحسن أدبها وعلمها فأحسن تعليمها فأوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليه، كانت له منعةً وستراً من النار».[6]
قد يسأل سائل: ما هي أساليب التأديب؟
الجواب: إنّ طرق التأديب وأساليبه متنوعة وعديدة، منها أسلوب التربية بالحوار، وأسلوب التربية بالتجربة والخبرة، والتربية بالقدوة، والتربية بالحب والرحمة، والتربية باللعب، والتربية بالأدب والفن… وكل هذه الأساليب مهمة، ولكن من أكثر الأساليب التي يستخدمها المربون هما أسلوب التربية بالثواب -كمن تمدح أو تكافي ء ولدها حينما يقوم بعمل صالح-وأسلوب التربية بالعقاب.
وكلاهما أسلوبان ضروريان، يقول علماء التربية لقد (أودع الله تعالى في طبيعة الطفل غريزتين: الأولى قوّة جذب اللذّة والمنفعة، والثانية قوّة دفع الألم والضرر، ويُعد أسلوب الثواب تحفيزاً إيجابيّاً للقوّة الأولى نحو السلوك المرغوب فيه، كما يُعد أسلوب العقاب تحذيراً سلبيّاً للقوّة الثانية لترك السلوك غير المرغوب فيه، فالثواب والعقاب أسلوبان منسجمان مع طبيعة القوى النفسيّة للطفل، وبهذا يظهر أن المعارضة المطلقة لاستخدام أسلوب العقاب في تربية الطفل ليست في محلّها، وتجعلنا نخسر وسيلة مهمّة في التربية)[7]
وسنقف في هذه المحاضرة على أسلوب التربية بالعقاب.
مباحث الرواية الشريفة
المبحث الأول: أسلوب التربية بالعقوبة
عرّف علماء التربية العقوبة بتعريفات مختلفة تعود إلى مضمون واحد: -وهي أنّها عبارة عن إجراء مؤلم، يتبع سلوكاً غير مرغوب فيه، بهدف منع تكراره، أو تقليل احتمال حدوثه في المستقبل.
وقد ميّز علماء التربية بين نوعين من العقاب الإيجابيّ والسلبيّ، فالعقاب الإيجابيّ
(positive punishment)، هو اتباع السلوك غير المرغوب فيه بإجراءٍ ما لمنعه.
أما العقاب السلبيّ (negative punishment)، فهو عبارة عن اتباع السلوك غير المرغوب فيه بإزالة معزّز مرغوب فيه [8]، ولتقريب الفكرة نذكر الأمثلة الآتية:
مثال: إذا كان الولد -ذكراً كان أو أنثى-مولعاً باللعب على الأجهزة الإلكترونية لساعات طويلة في اليوم وترك أغلب مسؤولياته بل حتى ترك صلاته، ويرغب المربي في إزالة هذا السلوك المنهي عنه والضار، فهناك طريقتان للعقاب، وهما:
طريقة (العقاب الإيجابي): الإجراء هو إضافة مثير غير مرغوب فيه كالتوبيخ والذم والتأنيب المشروع، أو الهجر وترك المعاشرة.
طريقة (العقاب السلبي): الإجراء إزالة مثير مرغوب فيه كحرمانه من اللعب بالألعاب الإلكترونية لمُدَّة أسبوع بشرط أن يلتزم بالوقت المحدد للعب، كساعة في اليوم، وأن يؤدي مسؤولياته، ويؤدي صلاته، أو سيحرم منها لمُدَّة أطول.
إن السؤال المطروح هو: متى يتمكن المربي من استخدام أسلوب العقوبة؟
الجواب: من ناحية تربوية يمكن للمربي أن يستخدم أحد أساليب التربية بالعقوبة مع الأولاد بشرط مراعاة النقاط الآتية:
1. مراعاة المرحلة العمرية للولد، ففي مرحلة الطفولة المبكرة -المقصود منها السبع سنوات الأولى من عمر الطفل- لا يمكن معاقبة الطفل في السنوات الأولى من هذه المرحلة لكون إدراكه ضعيف، فقد ورد أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال: « لا تضربوا أطفالكم على بكائهم، فإنّ بكاءهم أربعة أشهر شهادة أن لا إله إلّا الله، وأربعة أشهر الصلاة على النبيّ صلى الله عليه وآله عليهم السلام ، وأربعة أشهر الدعاء لوالديه » [9]، ولكن في السنوات الأخيرة لهذه المرحلة يمكن أن يستخدم المربي أساليب العقوبة اليسيرة وغير الشديدة التي تنسجم مع مدارك الطفل، كالتوبيخ أو الهجر العاطفي، أو الحرمان المؤقت، ولا يجوز ضربه؛ لأنّه إذا لم يكن الطفل مدرِكاً للحَسَن والقبيح فكيف يُعاقَب على ترك الأوّل وفعل الثاني؟! فيكون العقاب لغواً لا يترتّب عليه أثر تربويّ إيجابيّ.
وأما في مرحلة الطفولة المتأخرة وما بعدها -أي من السنة السابعة وما بعدها-فيمكن استخدام أحد أساليب العقاب التي سنذكرها في المبحث الثاني.
2. أن يعاقب الولد من أجل ارتكاب سلوكٍ محرمٍ شرعاً أو قبيحٍ ٍ عقلاً، ولكن هناك من يعاقب ولده لأسباب لا تستلزم العقاب كمن يعثر فينكسر منه الإناء، والأعجب ممن يعاقب ولده لأنه يؤدي بعض أنواع العبادات والطاعات الإلهية غير المقتنع بها المربي، كمعاقبة الفتاة التي تصوم أو تتحجّب، فهنا المربي أولى بالتأديب من الولد.
3. أن لا يعاقبه إلا بعد التأكد من ارتكابه للفعل القبيح، ولكن بعض المربين يعاقبون الأولاد لمجرد التهمة والشك وسوء الظن، أو تصديق اتهام كاذب، ولا يتحاورون مع الأولاد للتأكد من صحة ما نسب إليهم، وهذا الأمر منهي عنه شرعاً وقبيح عقلاً؛ لكونه نوعاً من الظلم، فهناك وسائل لإثبات صدور الفعل السيّئ عن الطفل، منها المعاينة بأن يرى المؤدِّب بعينه، أو قيام البيّنة الصادقة -أي بشهادة عدلين-، أو بإقرار الطفل المميّز على نفسه في ما فعله، في ضوء بعض الآراء الفقهيّة.
4. أن لا يلجأ لأسلوب التربية بالعقوبة إلا بعد فشل أساليب الترغيب والتعزيز ولم تؤدِ إلى نتيجة إيجابية، كمن استخدم أسلوب التربية بالحوار والقصة، أو التجربة، أو اللعب المدعوم بأسلوب الثواب، ولكن لم تنفع في تغيير سلوكه المنحرف، فحينها يمكنه الانتقال إلى تطبيق أساليب العقوبة.
5. (قبل العقاب على المربي أن يُفهّم الولد أنّ هذا العقاب إنّما هو بسبب تصرَّفه الخاطئ الذي ارتكبه، كأن يكون تاركاً للصلاة، أو فتاة مستخفة بالحجاب وهذا يترتب عليه نيل غضب الله تعالى المطّلع على أعمالنا في السر والعلن، وليسعَ المربي ليكون خوف الولد من ذنبه وربِّه المراقب له لا من والده أو والدته، فالخوف إن كان من أحد الوالدين دون الذنب فإنّ الولد سيكرِّر الذنب حينما يغيبان، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: «لا يرجُوَنّ أحدُكم إلاّ ربَّه ولا يخَفْ إلاّ ذنبه»[10]
6. أن لا يعاقب المربي ولده حال الغضب، فلقد نهى النبيّ صلى الله عليه وآله عن الأدب عند الغضب» [11]، وعلى المربي أن يفهم بأن من أهمّ الضوابط التي يجب أن يلتزم بها المؤدِّب عند عقاب ولده هو أن يكون بحالة هدوء نفسيّ، ولا يكون غاضباً، ليكون التأديب بداعي إصلاح سلوك الطفل وتعديله، لا بداعي الانتقام والتَّشَفِّي.
ومع شديد الأسف أغلب المربين يعاقبون أولادهم عند الغضب مما يدفع المربي إلى عقوبتهم عقوبة غير شرعية كالضرب المبرح الموجب لدفع الديّة.
روي عن الإمام علي عليه السلام: «لا أدب مع غضب»[12]
ولقد تشدّد فقهاء مدرسة أهل البيت في تحريم التأديب الغضبيّ، قال السيّد الكلبايكانيّ: «لا يجوز ضرب الصبيّ المميّز للغضب وتشفِّي القلب»، وأضاف رحمه الله: «لا بدّ من أن يكون المقصود والهدف في مقام الضرب، هو التأديب الراجع إلى مصلحة الصبيّ، لا ما يثيره الغضب النفسانيّ، وإلّا فربّما يؤول الأمر إلى أن يؤدَّب المؤدِّب؛ لأنّ ضربه لم يكن لله تبارك وتعالى، وعلى هذا فلابدّ من أن يكون ضربه في الحال الطبيعيّة العاديّة، لا حال الغضب، وإذا كان مغضباً فليكن غضبه لله تعالى لا لنفسه، حتّى يسوغ ضربه، وهذه الحالة قلّما توجد إلّا في النفوس الزكيّة الطاهرة… والإقدام على الضرب لله تعالى محضاً وخالصاً لوجهه الكريم، إلّا أنه لو حصل للإنسان هذا المقام فله الأثر الخاصّ في كمال النفس وتهذيبه، وهو منشأ سعادته في الدنيا والآخرة»[13]، ولذا ننصح المربي الغضوب قبل أن يربي أولاده أن يربّي نفسه أولاً على التحكم بالغضب، ويمكنه قراءة المحاضرة المُعَنْوَنة بــ (كيف نتحكم بالغضب) في الجزء الأول من كتاب (زاد المبلغات)[14]
المبحث الثاني: أساليب التربية بالعقوبة
تستعمل أساليب التربية بالعقاب مع كل القيم التربوية في كافة المجالات الإيمانية، والأخلاقية، والسلوكية، والعبادية، وبالأخص الصلاة، وفي التربية الجنسية والمالية والاجتماعية وغيرها، وإليكم أبرز أساليب التربية بالعقاب:
1-الحرمان المؤقّت: احرم ولدك العاصي كالتارك للصلاة من بعض الامتيازات والإمكانات العادية كالحرمان من التشجيع، والحرمان من الخروج واللعب ببعض الألعاب، أو الحرمان من متابعة القنوات الفضائية أو استخدام مواقع التواصل الاجتماعي ولو بقطع الإنترنت، أو الحرمان من بعض المشتريات والهدايا وغيرها، وعلى المربي أن لا يحرمه من الحاجات الأساسية كالطعام والنوم.
2-إظهار الكراهة وترك المعاشرة: جرّب مع ولدك هذا التطبيق بأن تظهر كراهتك لفعله القبيح وتترك معاشرته بإبداء عدم الرضا عن السلوك، كالعبوس، كإبلاغ الأب ابنه: (ستأكل وحدك وليس معنا من الآن؛ لأني أخاف أن يحاسبني ربي؛ لأني أطعمك رغم أنك تارك للصلاة)، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «أَمَرَنَا رَسُوْلُ الله -صَلَّىٰ اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-أَنْ نَلْقَىٰ أَهْلَ المَعَاصِيْ بِوُجُوْهٍ مُكْفَهِرَّةٍ»[15]
فشرعاً وجوب إظهار الكراهة قولاً، أو فعلاً من ترك الواجب، أوفعل الحرام واجب عيني لا يسقط بفعل بعضهم، وهذا ما أفتى به الفقهاء منهم سماحة السيد السيستاني (دام ظله) [16]
وقد استعمل نبينا صلى الله عليه وآله هذا النمط مع أصحابه فروي أنه إذا رأى شيئاً ينكره عَلُم ذلك في تغير وجهه، كما قال أبو سعيد (رضي الله عنه):» وَكَانَ إِذَا كَرِهَ شَيْئًا عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ»[17]
3-أسلوب الذم والتوبيخ: وهو من الأساليب المؤثرة، وقد استخدم الرسول صلى الله عليه وآله أسلوب التوبيخ حيث دعت الحاجة إلى ذلك؛ حيث يُروى عن أبي ذر الغفاري -رضي الله عنه-: أنه عَيَّر رجلاً بسواد أمِّه، فوبَّخه رسول الله صلى الله عليه وآله قائلاً: (إنك امرُؤٌ فيك جاهلية).[18]
كأن تقول له: (أنت تقلّد الكافرين والفاسقين!!)، أو (كيف تتجرأ على ترك شكر المنعم؟)، أو (ألا تعلم أن الصلاة عمود الدين، ولذا فأنت تهدم الدين وستخسر السعادة في الدارين)..إلخ
لكن يجب على المربي ألاَّ يستخدم الألفاظ المحرمة كالسب والشتم، وأيضاً ينبغي ألا يُفْرط المربي في استخدام التوبيخ؛ لأن ذلك قد يكون له تأثير سلبي على الناشئ، فلا بد أن يراعي المؤدِّب حال الصغار، والفروق بينهم في الطباع والأخلاق، فمنهم مَن يكفي في لومه وإشعاره بخطئه نظرةٌ قاسية، ومنهم من يرتجف فؤاده بالتلميح، ومنهم مَن لا يردعه إلا التصريح باللوم والتوبيخ، وعلى المربِّي أن يحدِّدَ الطريقة الملائمة للتوبيخ مع كل منهم.
4-التأنيب: أي توجيه اللوّم والعتاب، فينبغي إثارة المشاعر والعواطف عند المتربي من خلال الكلام العاطفي المدروس والواقعي كقول (نحن أهلك نتأذى ونحزن كثيراً من تصرّفك هذا، إن أردت أن تُفرح قلب أمك فلا تقم بهذا العمل).. إلخ ، وينبغي عدم المبالغة في الكلام كقول (ستقضي علينا بعملك هذا!) أو التعميم، كقول (أنت دائماً تفعل هذا ولا تسمع كلامنا أبداً)
وعلى المربي أن لا يعيّر ولده بذنبه ويكرر التعيير كلما غضب منه وبالأخص أمام الناس؛ لأن هذا يدفعه للعناد ويولد الحقد في قلبه تجاه المربي، روي عن الإمام علي عليه السلام: لا تكثرن العتاب فإنه يورث الضغينة ويدعو إلى البغضاء.[19]
5-المفاوضات والتوصّل إلى اتّفاق: بحيث يشعر الولد بأنّه إن لم يهتم بالملاحظات والتوجيهات التي تقولونها له حول سلوك خاطئ، فإنّكم بالمقابل لن تهتموا بتلبية حاجاته وطلباته، ويتم هنا نوع من التفاوض والوصول إلى صفقة واتّفاق، ويفضّل أن يكون مكتوباً وموقّعاً عليه من الطرفين، ويشمل ما ينبغي لكل طرف القيام به وتحديد العقوبات والإجراءات عند عدم الالتزام. كأن يكتب الولد فيها: (أنا فلان بن فلان أقرّ واعترف بان الصلاة عمود الدين ….إلخ ، ولذا إذا لم اؤدِ الصلاة فاستحق العقاب الفلاني.. والله على ما أقول شهيد)…ثم يوقع الولد والمربي لكونه الشاهد والمنفذ للعقوبة.
6- الهجر والحرمان العاطفي: فالهجر أو الإهمال أو التجاهل من العقوبات المؤثّرة والفعالة، حيث يتعمّد الأهل والمربون إظهار الانزعاج والتعامل مع الولد بجفاء فلا يمنحه العاطفة والحنان والاهتمام الذي كان يوليه له من قبل، بحيث يشعر الولد بفداحة الذنب أو الخطأ الذي ارتكبه فيرتدع ولا يعود إلى مثله، كتحديد وقت محدّد يمنع على الابن التحدّث مع أهله، كقوله: «لا تكلّمني لمُدَّة عشرين دقيقة وفكّر بحلّ لهذه المسألة، أكتبه على ورقة، سأقرأه ثم نرى»، أو قد يزيد المُدَّة ولكن لا يجعلها مُدَّة طويلة، فقد ورد تحذير صرّحت به بعض الروايات، فقد رُوي أنّه شكى بعض الأشخاص إلى الإمام موسى الكاظم ابناً له، فقال الكاظم عليه السلام : «لا تضربه، واهجره، ولا تطل».[20]
فإطالة مُدَّة الهجر تتسبّب بفتور عاطفي وإلى قسوة قلب الولد، ويتعوّد المربي والمتربي على الجمود والسكون بدل النشاط والحركة والتفاعل.
ولينتبه المربي من ممارسة الابتزاز العاطفي غير المقصود وخاصةً مع الأطفال، كأن تهدّد الأم ابنها مثلاً «إن فعلت هذا فلن أحبّك مجدداً!»
فالحب المشروط مرفوض من ناحية تربوية، بل ليقل له مثلاً: «أنا أحبك دائماً ومهما حدث، لكن هذا التصرّف والسلوك لا أحبه لأنه خطأ وقد تكرّر، وعليه تستحق قصاصاً يساعدك على التخلص منه». وهذا النوع من العقاب له ارتباط بأسلوب ترك المعاشرة.
7-العزل والإقصاء عن الأنشطة المعزّزة: كوضع الطفل في غرفة منعزلة بسبب سلوكه العدوانيّ تجاه إخوته مثلاً، بعد سحب الأجهزة التي يحبها أو قطع الإنترنت، وإذا كان ولدك يحب عملاً ما كحبه للمشاركة والترتيب فيمكنك حرمانه لمُدَّة كنوع من التأديب، يذكر آية الله محي الدين الحائري الشيرازي (قدس سره) بأنّ والدته كانت رائدة ذكية في تربية أبنائها، فكانت حين يرتكبون عملاً سيّئاً، تمنعهم من المشاركة في أعمال المنزل! وهذا تدبير تربوي جميل وفعّال؛ بدلاً من جعل العمل الجيد عقوبة ومن ثَمّ تكريه الطفل به، كانت تعاقبهم بمنعهم منه، ليشعر الطفل المعاقب لمُدَّة بأنّه غير جدير بالمشاركة وينمو عنده حسّ المسؤولية والهمة العالية، ويدرك بالتدريج أنّ هذا العمل والمشاركة نعمة ودليل رضا الوالدين عنه وتحفيزاً له على العطاء والعمل.
8-تكلفة الاستجابة response cost: كالغرامات الماليّة من مصروف الطفل، أو حسم علامات له في المنزل، إذا كان أسلوب جمع العلامات مستخدماً في التعزيز داخل المنزل، كتمرين النجوم التي نمنحها له في حال تطبيقه للقيمة التربوية، وأما إذا لم يطبقها فيتم سلب نجمة كلما فشل.
9-اختيار العقوبة: وفكرة هذا الأسلوب بأن يحدد المربي ثلاث عقوبات مشروعة وتربوية ونطلب من الولد اختيار أحدها، أو أن نطلب من الولد الجلوس لوحده فيفكر في ثلاث عقوبات يقترحها علينا مثل «الحرمان من المصروف، أو عدم زيارة صديقه هذا الأسبوع، أو أخذ الهاتف منه لمدة يوم» ونحن نختار واحدة منها لينفذها على نفسه وفي حالة اختيار ثلاث عقوبات لا تناسب الوالدين مثل «يذهب للنوم أو يصمت لمدة ساعة أو يرتب غرفته» ففي هذه الحالة نطلب منه اقتراح ثلاث عقوبات غيرها.
قد يعترض بعض المربين بأن العقوبات التي يقترحها الولد لا تشفي غليل المربي، ولكن لزم علينا أن نفرق بين التأديب والتعذيب، فالهدف من التأديب هو تقويم السلوك وهذا يحتاج إلى صبر ومتابعة وحوار واستمرار في التوجيه، أما أن نصرخ في وجهه أو أن نضربه ضرباً شديداً فهذا «تعذيب وليس تأديب»، إننا عندما نعاقب أبناءنا فإننا لا نعاقبهم بمستوى الخطأ الذي ارتكبوه وإنما نزيد عليهم في العقوبة؛ لأنها ممزوجة بالغضب وذلك بسبب كثرة الضغوط علينا فيكون أبناؤنا ضحية توترنا وغضبنا من الحياة ولهذا نحن نندم بعد عقابهم على تعجلنا، أو عدم ضبط أعصابنا، وأيضاً حينما نطلب من الولد أن يذهب ويجلس لوحده ويفكر بثلاث عقوبات لأختار أنا واحدة منها لأنفذها عليه، فإن هذا الموقف هو تأديب في حد ذاته؛ لأن فيه حوار نفسي بين المخطئ وهو الطفل وذاته وهذا تصرف جيد لتقويم السلوك ومراجعة الخطأ الذي ارتكبه وهو وقفة تربوية مؤثرة.
وهناك بعض الأسر جربوها ونفعت معهم؛ لأن الطفل عندما يختار العقوبة وينفذها فإننا في هذه الحالة نجعل المعركة بين الطفل والخطأ وليس بينه وبين الوالدين فنكون قد حافظنا على رابطة محبة الوالدين وكذلك نكون قد احترمنا شخصيته وحافظنا على إنسانيته فلم نحقره أو نهينه ومن يتأمل تأديب الرسول الكريم صلى الله عليه وآله للمخطئين يجد أنه مع التأديب يحترمهم ويقدرهم ولا يقبل بإهانتهم وقصة المرأة الغامدية التي زنت وطبق عليها الحد فشتمها أحد الصحابة فقال له رسول الله أنها تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم فنظرة الاحترام للمخطئ باقية مادام سار في برنامج التأديب.
وهذا التطبيق من العقوبة مستنتج من الأسلوب القرآني في التأديب فالله تعالى يعطي للمذنب أو للمخطئ ثلاثة خيارات مثل: كفارة من تعمد الإفطار في نهار شهر رمضان، أو كفارة اليمين، وغيرها من الكفارات فإن الشريعة الإسلامية تعطي ثلاثة خيارات لمرتكب الخطأ وهذا أسلوب تأديبي راقٍ وجميل.[21]
10-تطبيق: الإنذار أو التهديد: أي الترهيب بالعقاب، بهدف توليد الخوف، وهو أسلوب قرآني نذكر منها قوله تعالى:﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾.[22]
مثال ذلك: التهديد بالضرب، فقديماً قيل في الأمثال الشعبية الحكيمة «لوّح بسيف العزّ ولا تضرب به»، التهديد هنا يؤثّر أكثر من الضرب نفسه، لا بأس بأن يشعر الولد عندها بأنّه تجاوز الخطوط الحمراء وأنّ هناك تصعيد غير مسبوق، مع إفساح المجال له للإصلاح والعودة عن الخطأ وتسهيل التوبة، فالتائب حبيب الله وحبيب أهله أيضاً!
روي عن الإمام علي عليه السلام: «عُقوبَةُ العُقلاءِ التَّلويحُ»[23]
تذكر ابنة الإمام الخميني (سلام الله عليه) بأنّ الإمام لم يكن يضرب أبناءه أبداً، حتى إذا تجاوز أحد الصبيان الحد وارتكب عملاً قبيحاً جداً، كان الإمام ينادي مثلاً بصوت مرتفع يسمعه الولد المخطئ أحضروا لي العصا! ثم يبدأ بفك أزرار أكمامه وطيّها بهدوء في تمثيل واضح، مانحاً الفرصة لذاك الصبي للهروب إلى آخر الحيّ… ثم الرجوع بعد أن تكون هدأت الأجواء والإعتذار و …»يا سريع الرضا»!
وينبغي أن لا يتوعده إلا بما هو جائز، فلا يجوز له أن يخوفه بما لا ينبغي له أن ينفذه، أو بما يعلم أنه لا ينفذه كالقتل، والضرب المبرح، والطرد من البيت ونحو ذلك، كأن يقول المربي لولده «والله لأكسر رأسك وأقتلك …» وكأننا في مجزرة لمصاصي الدماء، وكذلك لا يجوز التخويف بالغول كما هو شائع عند العامة؛ لأنه كذب لا حقيقة له؛ ولأنه قد يؤثر سلباً على شخصية الولد الناشئ.
11. العقوبة بتحفيز المحسن: إذا كان لدى المربي ولدان، وطلبت منهما الصلاة -مثلاً-فأطاعك الأول، وعصاك الثاني، فقم بمكافأة المصلي أمام المستخف بالصلاة، كأن تمدحه وتقول (الشخص المطيع لله يستحق المدح، بارك الله فيك ياولدي)، فالغيرة في بعض الأحيان تدفع المسيء لإصلاح نفسه، روي عن أمير المؤمنين: عليه السلام «ازجر المسيء بثواب المحسن»[24]. بشرط ألا تقارنه معه كأن تقول له (لماذا لا تكون كأخيك؟، أنت لا خير فيك) فهذه المقارنة تجعله يحقد على أخيه.
12-تطبيق: فرض أعمال إضافية: افرض على ولدك العاصي عقوبة تتمثل بالقيام ببعض الأعمال التي ليست من مسؤولياته اليومية، كأن تطلب منه ترتيب المنزل، أو تنظيف حديقته، أو تطلب منه أن يكتب دعاء كميل ثلاث مرات، أو أن يصوم لمدة يومين، أو أن يتبرع ببعض ثيابه أو ألعابه إلى الفقراء … فلو نتتبع أحكام الكفارات سنجد أن هذا الأسلوب قد استخدمه الله تعالى مع المخالف لبعض الأحكام، مثال ذلك كفارة اليمين وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم وعند العجز عنها صيام ثلاثة أيام.
ويجب على المربي اختيار العمل الذي يتناسب مع عمر الولد وقدرته، فلا يجوز أن يعاقب الولد البالغ من العمر ثمان سنوات بحمل صناديق ثقيلة تفوق قدرته.
13-تطبيق: إصلاح ما تمّ إفساده: إنّه من الأساليب النافعة، فإذا قام الولد بسلوك مذموم أو تخريبي، فوجب أن يعرف أن أول خطوةٍ يقوم بها هي الإصلاح، أي إصلاح ما أفسده، فلو تعمّد الولد كسر كأسٍ أو لعبة غيره فليطلب المربي منه إصلاح الخطأ بالاعتذار من مالك الحاجة التي كسرها، وأن يقوم بتنظيف المكان -إذا كان عمره يسمح بذلك-ثمّ يُغرّم قيمة الكأس أو اللعبة من مصروفه.
إن إصلاح ما أفسده الإنسان أسلوب قرآني حثنا عليه الله تعالى، كقوله:﴿ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُوا ﴾[25].
إن عدم تكليف الولد بإصلاح ما أفسده سوف لن يردعه من تكرار الخطأ مرة أخرى.
14-العقوبة البدنية: العقوبة البدنية كالضرب هي عقوبة تهدف إلى إحداث ألم جسدي لشخص ما، وذلك لغرض «التأديب» أو «الإصلاح» أو «الردع» عن سلوك ما «غير مقبول».
ويلجأ المربّي لهذه العقوبة بعد استنفاذ أسلوب التربية بالثواب والتعزيز، واستنفاذ جميع أشكال العقاب الأخرى التي تم ذكرها في النقاط السابقة كالحرمان والهجر وغيرها، فإذا لم يرتدع عندها يمكنه استخدام أسلوب التربية بالضرب، فهو آخر الحلول، -وكما يقال آخر الدواء الكي-ومع الأسف نجد بعض المربين يستخدمونه كأول أسلوب، بل عندهم هو الأسلوب الوحيد النافع، وهذا قد يولد ردة فعل في نفس الصبي فيكره ما تطلبه منه كالصلاة، وربما يؤديها أمامك ظاهراً، من باب رفع الضرر عنه أو من باب العناد.
المبحث الثالث: مشروعية العقوبة البدنية وشروطها
استدلّ الفقهاء على مشروعيّة العقوبة البدنيّة في التربية والتعليم، على القيم والآداب بأدلّة روائيّة عدّة، منها: سُئل الإمام الصادق عليه السلام في أدب الصبيّ، فقال عليه السلام: «خمسة أو ستّة، وارفق، ولا تعدُّ حدود الله».[26]
واستدلّوا على مشروعيّة ضرب الطفل للعبادة على ترك الصلاة، رغم عدم وجوبها بروايات عدّة، منها: عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، قال: «… ثم يترك حتى يتمّ له تسع سنين، (فإذا تمّت له -أي دخلوا بالسنة العاشرة-) عُلِّم الوضوء، وضُرب عليه، وأُمر بالصلاة، وضُرب عليها»[27]
عن رسول الله صلى الله عليه وآله: «مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر…» [28]
شروط العقوبة البدنية
يقصد بالعقوبة البدنية في الغالب ضرب الأطفال، باليد أو باستخدام أداة، ولكن بعض المربين يقومون بعقوبات بدنية أُخرى، كمن يقوم برفس الأطفال، أو رجّهم، أو رميهم، أو خدشهم، أو قَرصهم، أو عضّهم، أو نتف شعرهم، أو حرقهم، أو كيّهم وغيرها من أساليب العنف، فهذه كلها غير مشروعة، ويترتب على بعضها الديّة، نعم القرص كفرك الأذن إذا ترك أثراً فهو حرام.
وأما ما يتعلق بالضرب فلا يكون ضرباً تربوياً أو مشروعاً إلا بشروط، وهي كالآتي:
1.تنحصر مشروعيّة ضرب الطفل من بلوغه سن التمييّز إلى ما قبل البلوغ[29]، فلا يجوز ضربه قبل التمييز ولا بعد البلوغ، هذا ما ذهب إليه آراء الفقهاء.
قد يسأل بعضهم عن سن التمييز، لقد اختلفت آراء الفقهاء في تحديد المعيار، فمنهم من تبنّى المعيار الزمانيّ، فهي تمتدّ من سنّ الـ6-7 حتّى مرحلة البلوغ، وهو رأي بعض فقهاء الإمامية، منهم الشيخ الطوسي والعلامة الحلي وغيرهم كالشيخ جواد التبريزي الذي قال: «التمييز هو أن يُميّز الشيء القبيح من غيره، ويكون غالباً إذا بلغ الولد ستّ سنين… إذا أكمل الطفل ستّ سنوات فهو مميّز»[30]
وبعض الفقهاء يرى أن التمييز يختلف باختلاف متعلّق التكليف
سُئِل السيد علي السيستاني: ما هو ضابط الصبيّ المميّز في مسألة جواز النظر إلى عورته، وجواز نظره إلى عورة الغير، وكون عباداته صحيحة، والاعتماد على أخباره؟
أجاب: «يختلف المميّز في كلّ مكان، ففي الأول المراد بالمميّز الذي يتأثّر من النظر إلى العورة أو النظر إلى عورته لو التفت وتتحرّك غريزته نسبياً، وفي اعتبار صحّة عباداته الذي يُميّز التكاليف وأنّ الأمر من قِبَل الله تعالى ويُمكنه قصد القربة، وفي الاعتماد على إخباره بالنجاسة إذا كان ذا اليد، إذا كان مميّزاً قوي الإدراك لها»[31]
2. أن يكون الضارب من قبل الولي وهو الأب أو والجد للأب، ولا يجوز لأمه أو لأخيه أو لأي شخص آخر كالمعلم ضربه إلا إذا كانوا مأذونين من الولي.
3. أن لا يكون ضربه لغرض التشفي والانتقام بل لغرض التأديب.
4. أن لا يضربه إلا بعد عدم استجابته لأساليب الترغيب المتنوعة، ومنها أسلوب التربية بالحوار والموعظة، قال الإمام علي عليه السلام: «أدّب صغار أهل بيتك بلسانك». [32]
5. ينبغي أن لا يكون الضرب إلا بعد استنفاذ أساليب العقوبة الأخرى، كالعقوبة العاطفية كأن تظهر أنك غير راض عنه فتهجره لمُدَّة ليست طويلة.
6. أن يحتمل في ضربه التأثير وإلا لا يجوز.
7. أن يضربه من أجل ارتكاب الطفل لسلوك غير مقبول فعلاً، لا الأخذ على التهمة والشبهة المجرّدة، أو المعاقبة على ذنب متوقّع الحدوث منه في المستقبل.
8. معرفة الطفل بكون السلوك الذي مارسه غير مقبول.
9. الأحوط وجوباً أن لا يزيد على ثلاثة أسواط، وبرفق لا بغلظة، روي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اَللَّهِ عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ: « رُبَّمَا ضَرَبْتُ اَلْغُلاَمَ فِي بَعْضِ مَا يَحْرُمُ فَقَالَ وَ كَمْ تَضْرِبُهُ فَقُلْتُ رُبَّمَا ضَرَبْتُهُ مِائَةً فَقَالَ مِائَةً مِائَةً فَأَعَادَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ حَدَّ اَلزِّنَى اِتَّقِ اَللَّهَ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَكَمْ يَنْبَغِي لِي أَنْ أَضْرِبَهُ فَقَالَ وَاحِداً فَقُلْتُ وَ اَللَّهِ لَوْ عَلِمَ أَنِّي لاَ أَضْرِبُهُ إِلاَّ وَاحِداً مَا تَرَكَ لِي شَيْئاً إِلاَّ أَفْسَدَهُ فَقَالَ فَاثْنَتَيْنِ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ هَذَا هُوَ هَلاَكِي إِذاً قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أُمَاكِسُهُ حَتَّى بَلَغَ خَمْسَةً ثُمَّ غَضِبَ فَقَالَ يَا إِسْحَاقُ إِنْ كُنْتَ تَدْرِي حَدَّ مَا أَجْرَمَ فَأَقِمِ اَلْحَدَّ فِيهِ وَ لاَ تَعَدَّ حُدُودَ اَللَّهِ ».[33]
وهناك روايات حددت الضرب بثلاثة وسماحة السيد السيستاني (دام ظله) يحتاط أن لا يزيد الضرب على ثلاثة.[34]
10. التدرّج في العقاب من الأضعف إلى الأقوى، فلا يجوز تجاوز حدّ الكفاية في الضرب مثلاً، بمعنى أنّه لو كانت ضربة واحدة كافية في التأديب، لا تجوز الضربة الثانية، وهكذا.
11. ينبغي تجنّب ضرب الأماكن الحسّاسة في جسم الطفل، كالرأس والوجه وغيرهما.
12. ينبغي أن تكون أداة الضرب بطبيعتها لا تلحق الأذى والضرر بالطفل؛ لأنّ ضربه مشروط بسلامته من الأذى والضرر، فلا يجوز أن يكون الضرب مدمياً، ولا شديداً، وإذا أثر في اسوداد البدن أو ازرقاقه أو احمراره وجبت الدية.
رُبّ تساؤل يرد: ما هي ديّة الضرب لمن ترك أثراً على البدن؟
الجواب: تختلف الدية بحسب كون الاحمرار والازرقاق والاسوداد في الوجه أو اليد ففي الاحمرار دينار ونصف في الوجه ونصفها في البدن، والازرقاق ثلاثة دنانير في الوجه ونصفها في البدن، والاسوداد ستة دنانير في الوجه ونصفها في البدن على الأحوط.
علماً أن الدينار الشرعي يساوي ٣ ونصف غرام من الذهب تقريباً. ويمكن التراضي مع المجني عليه أو طلب براءة الذمة منه بعد بلوغه رشده، وبإمكان الولي احتساب ما تصرفه عليه يومياً من الدية الواجبة عليك مهما كانت. [35]
المبحث الرابع: آثار العقوبة المخالفة للضوابط الشرعية والتربوية
إن المربي الذي يمارس العنف مع أولاده كالصراخ والسب والشتم والضرب الذي فيه تجاوز للضوابط الشرعية سيترتب عليه آثار سلبية، نذكر منها ما يلي:
1. يحوله إلى طفل عدواني: عندما يعتاد الطفل على ضرب الوجه، حتى ولو كان ذلك مزاحاً، يصبح هذا السلوك بالنسبة له أمراً تَقْلِيدِيّاً ومألوفاً، فيستطيع تكراره مع أطفال آخرين، أو ربما الكبار، سواءً كان ذلك على سبيل المزاح، أو العنف، أو الانتقام، فتعوّده على ذلك الأمر قد يشعره بأنه مستساغٌ ومقبولٌ لديه، خاصةً إذا تم توضيح الأمر على أنه مزحة، وعلى هذا سيتعامل مع الأمر وكأنه لعبة.
2. تنقص ثقته بنفسه: خلال السنوات المبكرة من حياة الأطفال الصغار، يتم تكوين ثقة الطفل بنفسه، وأيضاً الصورة الخارجية التي يتخيلها عن نفسه، وعلى هذا لابد من أن يدعمها الأب والأم طوال الوقت، لكن ضربة خفيفة الوزن قد تدمر تماماً هذه الثقة وتعوّد الطفل على شكل الإهانة والرفض وإن كانت هذه الضربة على سبيل المزاح، قد تفتح الباب للطفل لقبول الضرب من الأطفال الآخرين في المدرسة أو الحضانة دون شكوى.
3. تخلط الأمور بالنسبة له: ينبغي أن نعلّم الولد أن لا يسمح لأي شخص بضربه، وعليه أن يُخبر المعلم إذا تعرض للأذى على يد أحد زملائه في الفصل.
فلننشئ قاعدة قوية معناها أن الضرب والاعتداء الجسدي غير مقبول وسيتم الإبلاغ عنهما بشكل مباشر، ولكن بنفس الوقت إذا كان الأب أو الأم يضرب الطفل فأن ذلك الأمر سيقدم له إشارات مختلطة ومتناقضة تماماً، ويجعله يتساءل بينه وبين نفسه، هل الضرب سيئ حَقّاً، أم أنه طبيعي؟ وإذا كان عنيفاً، فلماذا يفعله والداه المحبوبان؟ قد تجعله هذه العلامات يقبل ضربه من الآخرين، أو يصبح أكثر عنفاً معهم، معتمداً على شخصية الطفل[36]…ولذا إذا اضطر المربي لضربه فوجب أن يكون وفق الضوابط الشرعية وأن يخبر الولد بأن الأمر مختص بالأب ولا يحق لأحد غيره ضربه.
4. يترك ذكريات سيئة: ان الطفل الذي تربى على الضرب، لمّا يكبر يبقى يتذكر هذه الذكريات المؤلمة، وبعضهم تولد في نفسه ردة فعل سلبية تحثه على العقوق، أو يطبق ما تربى عليه على أولاده رغم مخالفتها للضوابط الشرعية.
لذا على المربي الناجح استخدام أساليب التربية المتنوعة والتحلّي بالصبر وتربية الأولاد على القيم والمبادئ الإسلامية لا الجاهلية لنحصل على أولادٍ صالحين لننال بهم السعادة، روي عن الرسول صلى الله عليه وآله: «من سعادة الرجل الولد الصالح».[37]
وهذا يتحقق فيما لو اقتدينا بالمربيّة المثال، الأم المثال فاطمة الزهراء عليها السلام سيدة نساء الأولين والآخرين التي كانت تدعو الله ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾[38]، وفعلاً استجاب الله دعاء القديّسة فأنجبت أولاداً وصارت هي وأولادها وبعلها للمتقين إماماً، بينما غير المتقين لم يقتدوا بها بل اقتدوا بأعدائها الذين ظلموها وظلموا بعلها وأولادها…فأول ظلامة هي غصب الخلافة من بعلها أمير المؤمنين عليه السلام، وثانيها سرقة أرض فدك، وثالثها الهجوم على دارها عليها السلام وحرق بابها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها وضربها، فتذكر كتب السيرة والتاريخ حينما وقف عدوها (على الباب وصاح بصوت رفيع يسمع علياً وفاطمة لتخرجن يا علي إلى البيعة وإلا أضرمت عليك النار فصاحت فاطمة مالنا ولك فأبى أن ينصرف ولم تفتح الباب له ولما رأى منهم الامتناع أضرم النار في الحطب ودفع الباب وكانت ابنة رسول الله صلى الله عليه وآله خلفها فمانعته من الدخول فركل الباب برجله وألصقها إلى الجدار ثم لطمها على خدها من ظاهر الخمار حتى تناثر قرطها وضرب كفها بالسوط فندبت أباها وبكت بكاءا شديدا عاليا ثم عصرها إلى الجدار ثانية فنادت أهكذا يفعل بحبيبتك واستغاثت بجاريتها فضة وقالت لقد قتل ما في بطني من حمل)[39] وأقبلت إليها فضة فأخرجتها من وراء الباب وجاءت بها إلى حجرتها وهناك أسقطت جنينها فأغمي عليها.
(نصاري)
غدت تصرخ يفضّه صدري انعاب او حملي سگط مني ابعتبة الباب
اجت فضه او لگتها فوگ التراب يسيل امن الصدر واضلوعها الدم
(مجردات)
يا باب فاطم يمّ الأطياب
السدلت اعليك ايد الهدى احجاب
جيت ارد انشدك واسمع اجواب
اعليك اشجره او مترد الأصحاب
الگصدوك يوم المصطفى غاب
واتجسْروا اعله الطهر الأذناب
او كسروا ضلعها كسر ما طاب
او محسن سگط في عتبة الباب
واظن ما دره البسمار منصاب
صدرها لعد صدر النبي صاب
(أبوذية)
يفضه صاحت ام احسين ونهـه او من طاح الجنين انگطع ونهه
خفّه صوتها البسمار ونهه
او كسر ضلعين من عدها الزچيه
أفاطمُ يُسقَطُ منها الجنــينُ وتُدفَعُ عن حقّها راغــــمهْ
و تُحرَقُ بابَ فِناها الطَغـامُ وتأتي علي خدرها هاجــمه
فتبت يدٌ كسرتْ ضِلعَها
ومُدَّتْ علي وجهها لاطمه[40]
[1] بحار الأنوار -العلامة المجلسي-ج ٩٧ – ص ٧٨.
[2] مستدرك الوسائل -الميرزا النوري – ج ١٥ – ص٢١٥.
[3] بحار الأنوار -العلامة المجلسي-ج ٩٧ – ص ٧٨.
[4] الويل وادٍ سحيق في جهنم.
[5] مستدرك الوسائل -الميرزا النوري – ج ١٥ – ص ١٦٤.
[6] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ – ص ٥٦.
[7] تربية الطفل – الرؤية الإسلامية للأصول والأساليب -مركز المعارف للتأليف والتحقيق-ص179.
[8] كتاب تربية الطفل-الرؤية الإسلامية للأصول والأساليب-ص171-172.
[9] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج15-171.
[10] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٦٦ – ص ٣٧٦.
[11] البحار-المجلسي-ج ١٠٤ -ص ٩٩ / ٧٤.
[12] غرر الحكم: ١٠٥٢٩، ١٠٤١٢.
[13] الدر المنضود-السيّد الكلبايكانيّ – ج2، ص291.
[14] زاد المبلغات-مياسة شبع-ج1-ص116.
[15] وسائل الشيعة -الحر العاملي – ج ١٦ – ص ١٤٣.
[16] المسائل المنتخبة -السيد السيستاني-الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-(مسألة 631).
[17] صحيح مسلم-كتاب الْفَضَائِلِ بَابُ كَثْرَةِ حَيَائِهِ ص -حديث رقم 4408.
[18] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٣ – ص ٢٢١٣.
[19] غرر الحكم: ١٠٥٢٩، ١٠٤١٢.
[20] عدّة الداعي ونجاح الساعي، ص87.
[21] موقع بريد الأنباء الإلكتروني/ كتاب وآراء/ جاسم المطوع/ أسلوب ذكي لمعاقبة الأبناء، بتصرف.
[22] الزمر/71.
[23] غرر الحكم: ح 6328 و ح 6329.
[24] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ – الصفحة ٥٨.
[25] البقرة/160.
[26] مباني تكملة المنهاج-السيد الخوئي-ج1-ص340.
[27] مكارم الأخلاق -الشيخ الطبرسي -ص ٢٢٢.
[28] تذكرة الفقهاء -العلامة الحلي -ج ٤ – ص ٣٣٥.
[29] علامة البلوغ في الأنثى إكمال تسع سنين هلالية، وفي الذكر أحد الأمور الثلاثة: الأول: نبات الشعر الخشن على العانة، ولا اعتبار بالزغب والشعر الضعيف. الثاني: خروج المني، سواء خرج يقظة أو نوما بجماع أو احتلام أو غيرهما. الثالث: إكمال خمس عشرة سنة هلالية على المشهور. المصدر: منهاج الصالحين -السيد السيستاني – ج ٢ – مسألة 1069.
[30] صراط النجاة-جواد بن علي التبريزي – ج6- ص65.
[31] المنهج الجديد في تربية الطفل-نشر جمعية المعارف الإسلامية الثقافية. نقلاً عن الاستفتاءات-السيد علي السيستاني-ص125-126.
[32][32] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ١ -ص ٥٦.
[33] الکافي-الشيخ الكليني-ج7 -ص267.
[34] موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/الاستفتاءات/الضرب – سؤال رقم(5).
[35] موقع مكتب سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/الاستفتاءات/الضرب-سؤال رقم(7و4).
[36] فتكات/ fatakat-a.com/ تربية الأطفال/أهمية العقاب الحاسم للأطفال/2021-06
[37] البحار-المجلسي-ج ١٠٤ -ص ٩٨ / ٦٧.
[38] الفرقان/74.
[39] وفاة الصديقة -عبد الرزاق المقرم-ص61.
[40] مجمع مصائب أهل البيت-الشيخ الهنداوي-ج4-ص48-49
: مياسة شبع