image


يعيشُ المرءُ حالةً من التخبّط والصراع النفسي إذا جهل هويته الحقيقية، إذ إن هذه الهوية لا تتشكّل عبثًا، وإنما تنشأ تدريجيًا مع نمو الإنسان، من خلال تفاعل الإدراك الحسي والمعنوي، وبتأثير قدرته العقلية والمنطقية التي تسهم في صياغة شخصيته صياغةً متوازنة. وقد أشار عزوجل إلى خطورة الغفلة عن الذات حين قال تعالى:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ (الحشر: 19)

 في إشارةٍ واضحة إلى أن فقدان الصلة بالله يقود إلى ضياع الإنسان عن حقيقته.

إن الهوية السليمة لا تُبنى إلا على منظومةٍ راسخة من القيم والمبادئ الرفيعة، فهي الأصل الذي تنبثق منه صورة الإنسان، وبها يرجح عقله وتستقيم سلوكياته. وكلما كانت هذه القيم أكثر وضوحًا وثباتًا، كان الإنسان أشدّ اتزانًا وأعمق وعيًا بذاته، كما ورد عنه ﷺ: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» (بحار الأنوار، ج2، ص32).

لكن إذا غفل الإنسان عن إدراك ذاته، ولم يحدّدها وفق الضوابط الإلهية التي وضعها الله سبحانه وتعالى للنفس البشرية — وهو الأعلم بأسرارها وخفاياها — وقع في دوامة الفوضى والضياع، واضطربت داخله المعايير، فعاش صراعًا دائمًا بين القبول والرفض، وبين الصواب والخطأ. وقد أكّد القرآن هذا المعنى بقوله تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ (الشمس: 9-10)، فالفلاح مرهون بتزكية النفس، والضياع نتيجة إهمالها.

ولله سبحانه رحمةٌ بعباده ورأفة، إذ كرّم الإنسان وفضّله على سائر مخلوقاته، فقال عزّ وجل:

﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70)، وأراد له أن يحيا في أبهى صورة تليق بهذا التكريم، فبيّن له سبل الهداية، وجعل له من أوليائه والصالحين قدواتٍ يُقتدى بها. وفي هذا السياق يقول الإمام علي (عليه السلام): «رحم الله امرأً عرف قدر نفسه» (نهج البلاغة، الحكمة 449)، دلالةً على أن معرفة الإنسان لمكانته تحفظه من الانحدار.

غير أنّنا في زمنٍ تكاثرت فيه مظاهر الانحراف، نرى بعض الناس قد خرج بإرادته عن جادة الصواب، فألقى بنفسه في مهاوي الابتذال، ووضعها موضع السخرية والتهمة وعرّض كرامته لما لا يليق. وقد حذّر أمير المؤمنين (عليه السلام) من أصل هذا الانحراف بقوله: «أعظم الجهل جهل الإنسان أمر نفسه» (غرر الحكم), لأن الجهل بالذات يفتح باب الانحلال وفقدان المعايير.

فنرى من يستعرض نفسه وخصوصياته، أو ينشر ما لا ينبغي إظهاره، ومن يتجاوز حدود الأدب داخل أسرته، فتُكشف أسرار الحياة الزوجية، ويضعف الاحترام بين الأبناء والآباء. بينما يؤكد النبي ﷺ على المسؤولية الأخلاقية بقوله: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (متفق عليه)، في إشارة إلى ضرورة حفظ القيم داخل الأسرة وصيانتها.

ولكي يستعيد الإنسان توازنه، لا بدّ من محاسبة النفس والرجوع إلى الأصول، كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «ليس منا من لم يحاسب نفسه في كل يوم» (الكافي، ج2، ص453)، لأن هذه المراجعة المستمرة تعيد بناء الهوية على أساسٍ سليم.

إن قيمة الإنسان الحقيقية لا تُقاس بالمظاهر أو بما يعرضه للناس، بل بما يحمله من أخلاقٍ وسلوك، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «قيمة كل امرئ ما يُحسنه» (نهج البلاغة، الحكمة 81). ومن هنا، فإن بناء الهوية السليمة هو مسؤولية مستمرة، تبدأ بمعرفة النفس، وتترسخ بالالتزام بالقيم، وتكتمل بالسير على نهج الهداية الإلهية، لتكون شخصية الإنسان صورةً صادقةً للتكريم الذي أراده الله له.


: تحرير /فاطمة الحسيني