روى أبو بصير عن الإمام الصادق عليه السّلام أنه قال: في حديث طويل:
«مَنْ سُرَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ فَلْيَنْتَظِرْ، وَلْيَعْمَلْ بِالْوَرَعِ وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ، فَإِنْ مَاتَ وَقَامَ الْقَائِمُ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ أَدْرَكَهُ، فَجِدُّوا وَانْتَظِرُوا، هَنِيئاً لَكُمْ أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ الْمَرْحُومَةُ».[1]
المبحث الأول: دعوة لنكون من أصحاب القائم (عج)
في هذا الحديث الشريف دعوة من قبل الإمام الصادق عليه السلام لنكون من أصحاب الإمام القائم (عج)، لقوله: «مَنْ سُرَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ ...»، فمن منّا لا يكون مسرورا حينما يكون من أصحابه وأنصاره؟
أنه فخر ما فوقه فخر، لذا يدعو المؤمنُ بأن يوفق لأن يكون من أنصار إمام العصر والزمان (عج)، وقد ورد في ضمن كثير من الأدعية الدعاء بذلك، منه ما جاء في دعاء ليلة النصف من شعبان: «اللهم فصل على خاتمهم وقائمهم المستور عن عوالمهم، وأدرك بنا أيامه وظهوره وقيامه واجعلنا من أنصاره، واقرن ثأرنا بثأره، واكتبنا في أعوانه وخلصائه وأحينا في دولته ناعمين وبصحبته غانمين وبحقه قائمين ومن السوء سالمين»[2]، وفي المزار لابن المشهدي: «اللهم عجل فرجه، وسهل مخرجه، وأوسع منهجه، واجعلنا من أنصاره وأعوانه، الذابين عنه، والمجاهدين في سبيله، والمستشهدين بين يديه»[3]، وأيضا ورد في الدعاء المروي عن الشيخ العمري (رضوان الله عليه) الذي يبدأ بقوله: «اللهم عرفني نفسك.... واجعلنا ممن تقر عينه برؤيته وأقمنا بخدمته، وتوفنا على ملته واحشرنا في زمرته...»[4].[5]
والسؤال الجدير بالاهتمام هو: كيف نحول كلمات هذا الدعاء المبارك إلى حقيقة واقعية وأن لا تكون فقط باللسان وإنما نجسدها بأعمالنا، وهل يمكن أن نصل الى درجة أنصار الأمام المهدي المنتظر (عج)؟
إنّ الروايات تنص على أن عدد أصحاب الإمام المهدي عليه السلام (٣١٣)، فهل يمكن أن أكون أنا أو أنت منهم؟، لعل الأمر صعب، خصوصاً أنّ العدد قليل مع كثرة الموالين فكيف لأحدنا أن يكون منهم؟!!
الجواب: يمكن ذلك، ولكن بشرطها وشروطها، كالاتصاف بصفات ومميزات عالية جدا منها أن يتمتعوا بأعلى درجات الإيمان واليقين بالله، ومنها كثرة العلم والعبادة والطاعة المطلقة وغيرها من الكمالات المختصة بالأصحاب، ولكن (هذا لا يعني أنّ جيش الإمام المهديّ (عج) يقتصر على هذا العدد، بل إنّ الروايات دلّت على أنّ جيش الإمام المهدي يتكون من قسمين وهما: (الأصحاب) وهم القادة، وفي التعبير الروائي: "وهم حكّام الله في أرضه" الذين عددهم(313)، والقسم الثاني هم الآلاف من(الأنصار) وهم المؤمنون الصالحون والمجاهدون الّذين يلتحقون بالإمام المهدي (عج) وينضوون تحت لوائه، ويحاربون أعداء الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، روي عن أبي بصير قال: سأل رجل من أهل الكوفة أبا عبد الله عليه السلام: كم يخرج مع القائم (عج)؟ فإنّهم يقولون: إنّه يخرج مثل عدّة أهل بدر ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً. فقال عليه السلام: "ما يخرج إلّا في أولي قوّة، وما يكون أولو قوّة أقلّ من عشرة آلاف" [6]).[7]
فمن كانت قابليته عاجزة عن الارتقاء لمستوى الأصحاب، فليسعَ ليرتقي إلى مستوى الأنصار الذين هم أقل رتبة من الأصحاب، بأن يستغفر الله من ذنوبه ويُصلح ما أفسده ويطيع الله عز وجل طاعة مطلقة ويسلّم أمره له تسليما مع الإخلاص والصدق وترك الرياء وغيرها من التكاليف التي سنذكرها لاحقا.
ومن أمثلة ذلك الحر بن يزيد الرياحي فبعد أن كان في جيش عمر بن سعد عليه اللعنة تحول في لحظات إلى جيش الامام الحسين عليه السلام وقاتل معه وطلب من الإمام الحسين عليه السلام العفو وقال له: (إني تائب فهل لي من توبة؟)، فقال له الإمام: (نعم، إن تبت تاب الله عليك)، وفعلا نال الشهادة والخلود في لحظات …فهكذا أنت وأنا، ممكن أن نكون في جيش الإمام المهدي عليه السلام مع الإخلاص والصدق.[8]
السؤال الذي وجب طرحه في هذه المحاضرة هو: كيف يمكننا أن نكون من أصحاب وأنصار الإمام المهدي (عج)؟
الجواب نجده في رواية الإمام الصادق عليه السلام-محل البحث-الذي قال: «مَنْ سُرَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ فَلْيَنْتَظِرْ، وَلْيَعْمَلْ بِالْوَرَعِ وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ وَهُوَ مُنْتَظِرٌ».[9]
إنّ الإمام عليه السلام يهنأ هذه العصابة[10]المرحومة، أي المجموعة المرحومة.
ولقد وصفها الإمام بـ: (المرحومة) لكونها من أمة محمد صلى الله عليه وآله وصارت من أصحاب حفيده القائم المهدي (عج). ولماذا لا تكون مرحومة وهم من المنتظرين الذين جعلتهم الروايات أفضل أهل كلّ زمان، كيف لا، وهم الثلّة الممتحنة بأشدّ البلاءات، والمُعَدّة لتحقيق مشروع الخلافة الإلهيّة العامّة في الأرض؟!
فعن الإمام السجاد عليه السلام: "تمتد الغَيْبَة بولّي اللَّه الثاني عشر من أوصياء رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم والأئمّة بعده. يا أبا خالد، إنّ أهل زمان غَيْبَته، القائلين بإمامته، المنتَظِرين لظهوره، أفضل أهل كلّ زمان؛ لأنّ اللَّه -تعالى ذِكْرُه-أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة، ما صارت به الغَيْبَة عندهم بمنـزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك الزمان بمنـزلة المجاهدين بين يدَي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم بالسيف، أولئك المخلصون حقًّا، وشيعتنا صدقًا، والدعاة إلى دين اللَّه سرًّا وجهرًا".[11]
وعن الإمام الصادق عليه السلام: "قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: سيأتي قوم من بعدكم الرجل الواحد منهم له أجر خمسين منكم. قالوا: يا رسول اللَّه! نحن كنّا معك ببدر وأُحُد وحُنَين، ونزل فينا القرآن! فقال: إنّكم لو تَحْمِلون ما حُمِّلوا لم تصبروا صبرهم".[12]
وبالتأكيد، فإنّ هذا الفضل وهذه المنزلة ينالها من استوفى صفات المنتَظِرين وعمل بوظائفهم. ومن هنا ننطلق للتعرّف عليها على أمل أن نوفق أن نكون من أصحاب وأنصار إمام زماننا (عج)، ونساهم في تعجيل ظهوره الشريف.
إنّ الوظائف والتكاليف عديدة، بعض منها مذكور في الرواية-محل البحث-، والبعض الآخر مستنبط من نصوص شرعية أخرى، وسنطرحها في المبحث الآتي:
المبحث الثاني: وظيفتنا تجاه إمام الزمان في زمن الغيبة
يترتب على المكلف والموالي لإمام زمانه الغائب عدة وظائف، وهي كالآتي[13]:
أولاً: معرفة إمام الزمان عليه السلام:
الأمر الأول الذي وجب علينا الالتزام به، ويعدّ سببا في تعجيل ظهور الإمام هو معرفة إمام زماننا عليه السلام.
إنّ المؤمن الموالي لإمام زمانه وجب أن يمتلك العقيدة الصحيحة والواعية التي لا تلتبس عليها الشبهات والفتن، فقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام مدحه لأنصار المهدي (عج) بما يتحلون به من الثبات والوضوح في العقيدة والمبدأ يقول عليه السلام: "ويحا للطالقان فإن لله عزَّ وجل بها كنوزاً ليست من ذهب ولا فضة، ولكن بها رجال مؤمنون عرفوا الله حق معرفته، وهم أيضاً أنصار المهدي في آخر الزمان".[14]
وحينما نستقرئ بعض الروايات نجدها قدّمت المعرفة على الانتظار لأهميتها، فعن أمير المؤمنين عليه السلام: "أفضل العبادة بعد المعرفة انتظار الفَرَج".[15]
والمقصود بالمعرفة هنا معرفة إمام الزّمان، للحديث المشهور عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم عند الفريقَين: "من مات لا يعرف إمامه مات ميتةً جاهليّة".[16]
وليس المقصود بمعرفة الإمام معرفة اسمه وتاريخ مولده واسم أبيه وأمه لأنه من البديهي أن مثل هذه المعرفة لا تجعل الإنسان ممهّداً. بل المقصود من المعرفة يوضّحه لنا الإمام الصادق عليه السلام في حديثٍ له أدنى مراتب هذه المعرفة، فيقول عليه السلام: "وأدنى معرفة الإمام: أنّه عِدْلُ النبيّ إلّا درجة النبوة، ووارثُه، وأنّ طاعته طاعة اللَّه وطاعة رسول اللَّه، والتسليم له في كلّ أمر، والردّ إليه، والأخذ بقوله، ويعلم أنّ الإمام بعد رسول اللَّه عليّ بن أبي طالب، ثمّ الحسن، ثمّ الحسين، ثمّ عليّ بن الحسين، ثمّ محمّد بن عليّ، ثمّ أنا، ثمّ من بعدي موسى ابني، ثمّ من بعده ولده عليّ، وبعد عليّ محمّد ابنه، وبعد محمّد عليّ ابنه، وبعد عليّ الحسن ابنه، والحجّة من ولد الحسن".[17]
ولقد شرحنا هذا الموضوع في المحاضرة المعنونة بـــ: (وجوب معرفة إمام زماننا (عج)) في كتاب (زاد المبلغات) فراجعوه.[18]
علماً إنّ المعرفة تثبت في الإنسان إذا كانت مقرونة بالعمل أي بالطاعة والتسليم وإلا لا قيمة لهذه المعرفة، أي أنه سيموت ميتة جاهلية، وعلى قدر مراتب المعرفة تكون مراتب المحبّة والشوق والاتّباع.
ثانياً: انتظار الفرج
أمّا الأمر الثاني الذي وجب علينا الالتزام به، ويعدّ سببا في تعجيل ظهور الإمام وأن يكون من أصحاب الإمام عليه السلام هو أن يكون من المنتظرين، وهو نفسه الأمر الأول الذي ذكرته الرواية-محل البحث-بقوله: «مَنْ سُرَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْقَائِمِ فَلْيَنْتَظِرْ».
فالانتظار يعني ترقب ظهور الإمام الثاني عشر من أئمة أهل البيت عليهم السلام، الذي سيخرج ليقيم دولة عالمية يملأها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلما وجورا.
ولقد وردت العديد من النصوص الروائية تؤكد بأن انتظار الفرج أفضل الأعمال، فقد روي عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أنه قال: «أفضل أعمال أمتي انتظار فرج الله عز وجل».[19]
علماً أنّ انتظار الفرج لا يراد منه المعنى السلبي المتمثل بالسكوت والجمود، بل يراد منه المعنى الإيجابي المتمثل بالسعي والحركة ومجاهدة أنفسنا لتطبيق أحكام الله تعالى بشكل مطلق.[20]
أي أن المُنتظِر لإمام زمانه يحاول جاهدا -في زمن الغيبة -إقامة دين الله وتطبيقه على نفسه وأهله والمجتمع، والنتيجة أنه سيواجه صعوبات واعتراضات عديدة، والمؤمن القوي هو الذي يتحمّل طعنات الآخرين ويبقى صامدا للموت، فيكون حاله كما وصفه أمير المؤمنين عليه السّلام: «المنتظر لأمرنا كالمتشحط بدمه في سبيل اللّه».[21]
ثالثاً: الورع عن محارم الله
الأمر الثالث الذي يأتي بعد المعرفة، والذي وجب علينا الالتزام به، ويعدّ سببا مهما لنكون من أصحاب الإمام وتعجيل ظهوره الشريف هو الورع عن محارم الله، الذي عُرف بأنه: (الملكة أو الحالة النفسية التي تعصم صاحبها عن الدخول في الشبهات والمحرّمات بل تتعداها إلى بعض المباحات).[22]
ويعدّ الورع عن محارم الله من أهم التكاليف بعد معرفة الإمام، والتي أكد عليها الإمام الصادق عليه السلام في روايات عديدة، منها الرواية-محل البحث-: «من سره أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر ..».[23]
السؤال المطروح هو: لماذا التأكيد على الورع عن محارم الله وعدم ارتكاب الذنوب، فما علاقته بظهور الإمام المهدي (عج)؟
الجواب: إنّ ذنوب الشيعة ومعاصيهم لها تأثير في احتجاب الإمام (عج) عن شيعته وغيبته عنهم كما يغيب عن غيرهم، فقد ورد في التوقيع الشريف عنه (عج): "ولو أنّ أشياعنا وفَّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا، ولتعجّلت لهم السعادة بمشاهدتنا على حقِّ المعرفة وصدقها منهم بنا، فما يحبسنا عنهم إلّا ما يتصل بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم".[24]
وهو مفاد ما رواه النعماني في كتابه الغيبة عن أمير المؤمنين عليه السلام في قوله: واعلموا أن الأرض لا تخلو من حجة لله عزَّ وجلَّ، ولكن الله سيعمي خلقه عنها بظلمهم وجورهم وإسرافهم على أنفسهم.[25]
ويؤيد هذا المعنى أيضاً ما جاء على لسان أحد أولياء الإمام المهدي (عج) والذي أوصل ابن مهزيار للقاء الإمام (عج) ولابد أنه نقل ذلك من نفس الإمام المهدي (عج)، فقد جاء في قصة الخبر الذي نقله الطبري الشيعي في دلائل الإمامة أن ابن مهزيار قال له: " أريد أن ألقى الإمام المحجوب عن العالم. فقال له: ما هو محجوب عنكم ولكن حجبه سوء أعمالكم".[26]
نعم، الذنوب قد يكون لها تأثير من جهة أخرى فيما لو أصبحت سبباً في عدم توفر القاعدة الشعبية التي تناصر الإمام المهدي (عج) عند خروجه المبارك، فقد يجوز أن يتأخر الظهور لهذا السبب، فقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام: أما لو كملت العدة الموصوفة ثلاثمائة وبضعة عشر كان الذي تريدون، ولكن شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه، ولا يمدح بنا معلناً، ولا يخاصم بنا قالياً، ولا يجالس لنا عائباً، ولا يحدث لنا ثالباً، ولا يحب لنا مبغضاً، ولا يبغض لنا محباً...".[27]
ولا يخفى أن هذا التسبيب في تأخير الظهور يبقى أحد العوامل والأسباب وليس هو العلة التامة لذلك باعتبار أن ظهور الإمام (عج) يتوقف على عدة شروط وقيود لابد من توفرها جميعاً حتى يتحقق.[28]
وحينما نلقي نظرة على واقعنا الحالي نجد قلوبنا يعتصرها الألم لانتشار الفساد في الأرض بسبب الابتعاد عن النهج الإسلامي... وصدق الإمام الحسين عليه السلام حينما قال: "النَّاسُ عَبِيدُ الدُّنْيَا، وَالدِّينُ لَعِقٌ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ، يَحُوطُونَهُ مَا دَرَّتْ مَعَايِشُهُمْ، فَإِذَا مُحِّصُوا بِالْبَلَاءِ قَلَّ الدَّيَّانُون".[29]
إنّ غير المنتظرين فضلا عن بعض مّن يدعي الانتظار صار يطيع الله تعالى بمزاجه، أي تارة يطيع الله وأخرى يعصي، ولقد ذمّ الله تعالى هؤلاء بقوله: [أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ].[30]
والعتاب يوجه إلى المنتظر أكثر من غيره باعتبار أنّ المنتظر الذي ذكرنا له ذلك الفضل العظيم والمنزلة الرفيعة هو ليس ملتزمًا عاديًّا، بل هو ملتزمٌ مع مزيّة زائدة، وهي كونه منتَظِرًا وممهِّدًا لدولة الحق.
ولا ننسى أنّ إمام الزمان عندما يظهر فإنه سيجعل شريعة الله القانون العام لحياة البشر وحكومة المجتمع العالمي. ومن الواضح أن الذي كان ملتزماً بهذه الشريعة في كل تفاصيل حياته قبل ظهوره الشريف سيكون مستعداً لتقبّل هذا القانون أكثر من غيره. نحن إذا نظرنا إلى خصائص وصفات أنصار الإمام (عج) الممهّدين له، نجد أن من أهمّ الصفات البارزة فيهم صفة التقوى التي تعني الالتزام بأحكام الله في جميع أبعاد الحياة.
قد يخطر في أذهان بعضكم هذا التساؤل: نحن معذورون لما نرتكب المحرمات؛ لأنه كيف يمكننا أخذ الأحكام الشرعية من الإمام وهو غائب؟
الجواب: ليس من الضروري أخذ الأحكام الشرعية من الإمام المعصوم مباشرة حتى في زمن الظهور فإن الإمام الصادق عليه السلام كان يأمر بعض أصحابه بالجلوس في المسجد وإفتاء الناس. وهكذا كان لأهل البيت عليهم السلام شخصيات علمية ورجالات متخصصون في الفقه أمثال: زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم وغيرهم كان باستطاعتهم إعطاء الأحكام الشرعية بعد أخذ العموميات من الإمام عليه السلام، وهذا الأمر أصبح واضحاً وجلياً في عصر الغيبة بعد أن أرجع الإمام المهدي (عج) شيعته ومحبيه إلى وكلائه وهم المراجع والفقهاء، وذلك بنص التوقيع الشريف حيث قال: "وأمّا الحوادثُ الواقعةُ فارجعُوا فيهَا إلى رُواةِ حديثِنَا، فإنّهُم حُجّتِي عليكُم وأنا حُجّةُ اللهِ، عليهم".[31]
(والمقصودُ برُواةِ الحديثِ فهمِ العُلماءِ والفُقهاءِ الذينَ يَستنبطونَ الأحكامَ مِن أحاديثِهِم عليهمُ السّلامُ وليسَ مُطلقَ الرّواةِ).[32]
والأئمة عليهم السلام وضحوا للموالين مواصفات العلماء (رواة الحديث)، فقد ورد عن الإمام العسكري عليه السلام أنه قال: "فأما من كان من الفقهاء صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه وذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا كلهم".[33]
هذا مضافاً إلى الكثير من الآيات القرآنية التي تُرجِع الناس إلى أهل الاختصاص في كل فن وكل علم حيث قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾[34]، وهذا ما نشاهده أيضاً في سيرة العقلاء حيث إن المريض يذهب إلى الطبيب، والذي يريد بناء بيت يذهب إلى المهندس، وهكذا في بقية الاختصاصات ومنها: الفقه والأحكام الشرعية فلابد فيها من الرجوع إلى المختصين وهم الفقهاء والمراجع.[35]
رابعاً: تهذيب النفس:
الأمر الرابع الذي وجب علينا الالتزام به، ويعدّ سببا في تعجيل ظهور الإمام هو تهذيب النفس؛ لأن النفس الزكيّة والمهذّبة والمتّصفة بالأخلاق الحسنة تكون مستعدة دوماً لقبول الحق والعمل به بخلاف النفوس السيئة. فالحديث-محل البحث-أشار لذلك قائلاً: "من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق وهو منتظر"[36]، (وإذا أردنا أن نختصر برنامج تهذيب النفس فيمكن أن نختصره بأمرين أساسيّين هما:
1-التخلّي: وهو تصفية الباطن وتخلية النفس من الأهواء النفسيّة والصفات الرذيلة والأخلاق السيّئة، الناتجة عن حب النفس والدنيا والتعلّق بهما، كالتخلّي عن كفران النعمة والجزع والتكبّر والغضب والطمع والشهوة والرياء والبخل والحسد والغفلة والجهل والظلم والجبن والخيانة وغيرها.
2-التحلّي: وهو تحلية النفس بالصفات الحميدة والأخلاق الإلهيّة، كالتحلّي بالشكر والصبر والتواضع والحلم، والقناعة، والتقوى، والإخلاص، والعطاء، والرضا، والعلم، والعدل، والشجاعة والأمانة وغيرها).[37]
إنّ تهذيب النفس أمر ضروري؛ لأن الناس تتنفر من سيء الخلق ولو كان يدّعي التدين، وتصل المستشارين بعض الحالات من بعض الزوجات اللواتي ابتعدن عن الدين بسبب سوء خلق أزواجهن الذين يدّعون التدّين، ورغم أن هذا التنفّر غير صحيح لأن زوجها لا يمثل الإسلام ولكن هذه ردة فعل ضِعاف الإيمان.
بينما الناس تنجذب لكل من جمع محاسن الأخلاق، بغض النظر عن دينه ومذهبه، ولذا لو اتصف الموالي بها فسوف ينجذبون لمذهبه وإمامه الذي أدّبه بهذا الأدب الرفيع، وهذا الأمر يدخل السرور في قلب الإمام المهدي (عج)، روي عن أبي أسامة زيد الشحّام قال: "قال لي أبو عبد الله عليه السلام: اقرأ على من ترى أنه يطيعني منهم ويأخذ بقولي السلام و أوصيكم بتقوى الله عز وجل والورع في دينكم والاجتهاد لله وصدق الحديث وأداء الأمانة وطول السجود وحسن الجوار فبهذا جاء محمد صلى الله عليه وآله، أدوا الأمانة إلى من ائتمنكم عليها برا أو فاجرا، فان رسول الله صلى الله عليه وآله كان يأمر بأداء الخيط والمخيط. صلوا عشائركم واشهدوا جنائزهم وعودوا مرضاهم وأدوا حقوقهم فإن الرجل منكم إذا ورع في دينه وصدق الحديث وأدى الأمانة وحسن خلقه مع الناس قيل: هذا جعفري فيسرني ذلك ويدخل عليّ منه السرور وقيل: هذا أدب جعفر وإذا كان على غير ذلك دخل علي بلاؤه وعاره وقيل: هذا أدب جعفر".[38]
خامساً: الصبر
وأما الأمر الخامس فهو الصبر والتحمّل على محنة الغيبة وطول مدتها، وأن لا يصيبنا الملل أو الانكسار والإحباط، فإن واحدة من أهم مقاصد الغيبة هي سنة التمحيص والغربلة للتمييز بين المؤمن الحقيقي عن غيره، فقد روي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: "..لا يكون فرجُنا حتى تُغربلوا ثم تُغربلوا ثم تُغربلوا، يقولها ثلاثا، حتى يذهب الكدر ويبقى الصفو".[39]
إنّ الصبر هو السبيل الأمثل لتمهيد ظهور الإمام المهدي (عج)، ولقد وردت روايات في ذلك، نذكر منها الآتي:
#رُوي من جواب الإمام الرضا عليه السلام عن سؤال أحدهم في التوقيت، قال عليه السلام: "ما أحسن الصبر وانتظار الفَرَج! أما سمعت قول العبد الصالح: ﴿وَارْتَقِبُواْ إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾، ﴿فَٱنتَظِرُوٓاْ إِنِّي مَعَكُم مِّنَ ٱلۡمُنتَظِرِينَ﴾، فعليكم بالصبر، فإنّه إنّما يجيء الفَرَج على اليأس، وقد كان الذين من قبلكم أصبرَ منكم".[40]
# خرج توقيع الإمام العسكريّ عليه السلام إلى الصدوق الأول (رض) مكتوب فيه: "عليك بالصبر وانتظار الفَرَج، قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: أفضل اعمال أمتي انتظار الفَرَج. ولا يزال شيعتنا في حزن حتّى يظهر ولدي الذي بشر به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، يملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت جورًا وظلمًا، فاصبر يا شيخي، يا أبا الحسن عليّ، وأمر جميع شيعتي بالصبر...".[41]
# روي عن الإمام الصادق عليه السلام: " إن من انتظر أمرنا وصبر على ما يرى من الأذى والخوف هو غدا في زمرتنا".[42]
فهذه الروايات تبيّن وظيفة من وظائف المنتَظِرِين وهو (الصبر) والأمر بها صريحًا، وتبيّن أيضاً شدّة الرّبط بين الصبر والانتظار.
علماً أنّ الصبر ليس المراد منه المعنى السلبي المتمثل بالسكوت والجمود، بل الصبر يعني السعي ومجاهدة أنفسنا من أجل تطبيق أحكام الله تعالى بشكل مطلق.
إنّ الصبر يعني الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، والصبر على البلاء، كصبرنا على عدم الانجرار وراء شهواتنا واغراءات الضالين المضلين في سماع الأغاني، أو عقد علاقات غير شرعية، أو شهوة إظهار المفاتن والمحاسن أمام الرجال الأجانب كتركيب الأظافر والرموش ونفخ الشفاه ووضع المكياج وارتداء الثياب الضيقة أو صبرنا على أداء الصلاة وبر الوالدين وصلة الرحم، وصبرنا عن الغيبة والنميمة والحسد وسوء الظن، وصبرنا على الفقر والمرض وغيرها ...
لا ننكر إنّ الصبر ليس بالأمر السهل وبالأخص في هذا الزمان المليء بالفتن، لدرجة أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله قال: "يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه كالقابض على الجمر"[43]، ولكن المؤمن كما وصفهم الحديث: "المؤمن كالجبل الراسخ لا تحركه العواصف".[44]
فإذا لم يصبر الإنسان فليشك في إيمانه ودينه، روي عن الإمام علي عليه السلام: أيها الناس عليكم بالصبر، فإنه لا دين لمن لا صبر له".[45]
وليسعَ أن يقويه بالتوكل على الله والتوسل بأهل البيت عليهم السلام وبالعمل الصالح.
واعلموا أننا إذا صبرنا ونجحنا وتوفقنا في عبور الامتحان فقد نلنا كلا الحسنيين، الأول بنيل رضا الله والأجر العظيم، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله: "يأتي على الناس زمان الصابر منهم على دينه له أجر خمسين منكم، قالوا يا رسول الله صلى الله عليه وآله أجر خمسين منا؟! قال: نعم أجر خمسين منكم قالها ثلاثا".[46]
والثاني إن صبرنا ونجاحنا في عبور الامتحان سيقدمنا خطوة باتجاه التمهيد للدولة المهدوية، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: "بالصبر يتوقع الفرج، ومن يدمن قرع الباب يلج".[47]
سادساً: اجتماع القلوب
الأمر السادس هو أن نتحد جميعاً نحو هدف واحد وغاية محددة والابتعاد قدر الإمكان عن الاستغراق في الخلافات الجانبية والنزاعات الفئوية التي لا تلتقي مع عظمة المشروع المهدوي والغاية منه، فقد وردَ في مكاتبةِ الإمامِ صاحبِ العصرِ والزمانِ (عج) للشيخِ المفيد: «ولو أنَّ أشياعَنا، وفّقهمُ اللهُ لطاعتِه، على اجتماعٍ مِنَ القلوبِ في الوفاءِ بالعهدِ عليهم، لما تأخّر عنهمُ اليُمْنُ بلقائِنا، ولتعجَّلتْ لهمُ السعادةُ بمشاهدتِنا على حقِّ المعرفةِ وصدقِها منهم بنا».[48]
إنّ هذا النص يبين إنّ من التكاليف التي وجهها الإمام المهدي (عج) إلى شيعته ومواليه هو الدعوة إلى اجتماع القلوب، بمعنى وحدة الكلمة بين المنتَظِرين، ورصّ الصفّ، والتضامن والتكاتف، والتكافل الاجتماعيّ، ونبذ كلّ أشكال التفرّق والتشرذم واختلاف الأهواء والعداء والحقد والتمييز على غير أساس التقوى والفضل والإحسان، كالتمييز العرقي والإثني والجغرافي والنسبيّ... وأن يكون المنتَظِرون في بقاع الأرض شتّى كالجسد الواحد، وعلى قلب رجلٍ واحد يدعون لإمامهم وينتظرونه. ومن أهمّ ما يحقّق هذا الغرض، هو وحدة القيادة التي تنتظم تحت لوائها جميع جهود المنتَظِرين، كالارتباط بالمرجعية الدينية، وأيضا نحقق الغرض بالتأكيد على القيم التي تجمع القلوب كالدعوة إلى الإصلاح، وصلة الرحم، وبر الوالدين، واحترام الكبير والعطف على الصغير، والإنفاق، وقضاء حوائج الناس، والصبر والعفو والتسامح وغيرها.
سابعاً: العفّـــة:
العفة هي انقياد قوة الشهوة للعقل في الإقدام على ما يأمرها به من المأكل والمنكح كمّاً وكيفاً، والاجتناب عمّا ينهاها عنه[49]. كالعفة عن أكل الحرام، والعفة في تشديد الحجاب والعفة عن الشهوة، وغيرها.
والاتصاف بالعفة له دور كبير في تأهيل المكلف ليكون جنديا في جيش الإمام المهدي (عج)، فالمرأة المتبرجة لا يسمح لها بالانضمام لمعسكر إمام زمانها (عج)؛ لأنها تعدّ فتنة ونقمة على الرجال، بينما العفيفة رحمة ونعمة وكأنّها ملك من الملائكة، روي عن الإمام عليّ عليه السلام: "لكاد العفيف أن يكون ملكاً من الملائكة".[50]
ولأهمية العفّة نجد أنّ الأئمة يؤكدون على العفة بعد ذكر الورع، كما في الحديث المروي عن الامام الصادق عليه السلام: "من دينِ الأئمة الورعُ والعفةُ والصلاح –إلى قوله-وانتظارُ الفرج بالصبر".[51]
لذا وجب على المربين أن يزرعوا هذه الصفة في نفوس هذا الجيل من الذكور والإناث، ولكن التأكيد على النساء أشد لأن أحكام العفة عندهن أكثر لوجوب الستر والحجاب بسبب الاختلاف التكويني والنفسي بينهن وبين الرجال، ولذا الإمام المهدي عليه السلام في دعاء (اللّهم ارْزُقْنا تَوْفيقَ الطَّاعَةِ)، حينما يدعو لكل فئة من الناس يركز على صفة معينة تناسبهم أكثر من غيرهم، فلمّا تصل نوبة الدعاء للنساء يقول: (وَتَفَضَّلْ ... عَلَى النِّساءِ بِالْحَياءِ وَالْعِفَّةِ، ...).[52]
من أجل ذلك نقول: إن على المكلفات وبالأخص اللاتي يسعين للتمهيد لظهور الإمام أن يكن عفيفات، ملتزمات بكل أحكام العفة كالستر والحجاب وغض النظر وترك التبرج والسفور والتزين أمام الرجل الأجنبي، وترك المحادثة ما بين الجنسين خوفاً من الوقوع في الحرام ولو بالانجرار إليه شيئا فشيئا، وترك المزاح والخلوة والمصافحة وغيرها من أحكام العفة.
ثامناً: البراءة من أعدائه:
البراءة هي الرفض التّام والمواجهة. فإن العداء لأعداء إمام الزمان يقوّي الارتباط به، ويجعل صاحبه مستعدّاً ليكون في صفّه. والبراءة متمّمة للولاية وبدون البراءة لا تكون الولاية حقيقية. فعن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم قال: "طوبى لمن أدرك قائم أهل بيتي وهو يأتم به في غيبته قبل قيامه، ويتولى أولياءه ويعادي أعداءه، ذلك من رفقائي وذوي مودتي وأكرم أمتي عليّ يوم القيامة".[53]
بعبارة أخرى: إنّ عدم التبري من الأعداء سيكون مانعا من الانضمام لجيش الإمام المهدي (عج)، فلا يمكن تولي الحق والباطل في نفس الوقت، فإذا تولى أحدنا للحق تولياً صادقاً فيلزم منه التبري من الباطل، وإلا كان توليه للحق كاذباً، ويمكن وصفه بالمنافق.
ولو نلقي نظرة موضوعية سنجد أن بعض من يدّعي موالاة أهل البيت عليهم السلام لا يتبرؤون من أعدائهم بل يوالونهم، كموالاتهم للمغنين والراقصين أو المخنثين والفاسقين والكافرين وغيرهم المخالفين لنهج محمد وآل محمد عليهم السلام. ومعلوم أن من يتولى قوماً سيكون منهم وسيحشر معهم، قال تعالى: [وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ].[54]
تاسعاً: التسليم والثبات على ولايته:
وجب على الموالي الثبات على الدين القويم، وأن يتّبع أوامر الشريعة ويمشي على نهج إمامه ولا يتبع الدعوات الباطلة التي تنكر وتستهزأ بإمام زمانه، فعن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: "والذي بعثني بالحقّ بشيراً، ليغيبنّ القائم من ولدي بعهد معهود إليه منّي، حتّى يقول أكثر النّاس: ما للَّه في آل محمّد حاجة، ويشكّ آخرون في ولادته، فمَن أدرك زمانه فليتمسّك بدينه، ولا يجعل للشيطان إليه سبيلًا يشكّكه، فيزيله عن ملّتي، ويخرجه من ديني".[55]
وروي عن الإمام الحسن العسكري عليه السّلام أنه قال: «والله ليغيبن غيبة لا ينجو فيها من الهلكة إلا من ثبته اللّه عز وجل على القول بإمامته ووفقه بتعجيل فرجه».[56]
سؤال: كيف يمكننا الالتزام والثبات الدائم؟
الجواب سنطرحه في نقاط، اخترنا منها الآتي:
1.بالتمسّك بالمرجعيّة في غيبته عليه السلام: عن إسحاق بن يعقوب، قال: سألت محمّد بن عثمان العمريّ رضي الله عنه، أن يوصل لي كتاباً قد سألت فيه عن مسائل أشكلت عليّ فوردت في التوقيع بخطّ مولانا صاحب الزمان (عج): "..وأمّا ظهور الفرج فإنّه إلى الله تعالى ذكره وكذب الوقّاتون... وأمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا، فإنّهم حجّتي عليكم وأنا حجّة الله عليهم".[57]
2. بالإعراض عن المستهزئين، ومستنده قوله تعالى:﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانتَظِرْ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ﴾[58]وهو بمعنى الاطمئنان، والثبات النفسيّ، والثقة بالنفس والمعتقد، وعدم التأثّر باستهزاء المنكرين وتُهمهم وشبهاتهم، بل العمل على نشر العقيدة المهدويّة، ودفع الشبهات، بخطًى ثابتة مطمئنّة، لا عن تأزّمٍ واضطراب، وتسرّع ناتجٍ عن ضغط المستهزئين.
3. عدم الانجراف وراء الاغراءات والشهوات واللذات واللهو.
4.الاستعانة ببعض الأدعية منها (دعاء الغريق)، فقد روي عن عبد الله بن سنان قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: "ستصيبكم شبهة فتبقون بلا علم يرى ولا إمام هدى لا ينجو منها إلا من دعا بدعاء الغريق قلت: وكيف دعاء الغريق؟ قال: تقول: يا الله يا رحمان يا رحيم، يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، فقلت: يا مقلب القلوب والابصار ثبت قلبي على دينك، فقال: إن الله عز وجل مقلب القلوب والابصار ولكن قل كما أقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك".[59]
وينبغي -أيضًا -الاهتمام بدعاء العهد أربعين صباحًا حتّى يكون المنتَظِر من أنصار القائم (عج).
عاشراً: الدعاء الدائم للإمام (عج) بحفظ وجوده الشّريف المبارك من شر شياطين الإنس والجن، والدعاء بطلب التعجيل لنصرته وظفره وغلبته على الكفار والملحدين والمنافقين. فقد ورد في التوقيع الشريف المروي في الاحتجاج عنه عليه السّلام: «وأكثروا الدعاء بتعجيل الفرج فإن ذلك فرجكم».[60]
إنّ (للدعاء دورًا عظيمًا في إبقاء الرابطة المعنويّة وتقويتها. فالدعاء يمدّ النفس بالمشاعر اللازمة لها لكي تثبت وتستمرّ، خصوصاً إذا التفتنا إلى أن الله تعالى وعد كل من دعاه بصدقٍ أن يستجيب دعاءه. فعندما يدعو المؤمن لإمام الزمان ويطلب تعجيل ظهوره فإنه يزيد من شعوره وإيمانه بأن إمام الزمان موجودٌ حيٌّ وحاضر، وهذا الشعور يثبّته على نهجه ومسيرته).[61]
قال السيد الجليل علي بن طاووس في كتاب فلاح السائل بعد أن ذكر الترغيب في الدعاء للإخوان: «إذا كان هذا كله فضل الدعاء لإخوانك فكيف فضل الدعاء لسلطانك الذي كان سبب إمكانك وأنت تعتقد أن لولاه ما خلق اللّه نفسك ولا أحدا من المكلفين في زمانه وزمانك، وأن اللطف بوجوده صلوات اللّه عليه سبب لكل ما أنت وغيرك فيه وسبب لكل خير تبلغون إليه. فإياك ثم إياك أن تقدم نفسك أو أحدا من الخلائق في الولاء، والدعاء له بأبلغ الإمكان، وأحضر قلبك ولسانك في الدعاء لذلك المولى العظيم الشأن . . . ولأنك إذا دعوت له قبل الدعاء لنفسك ولمن يعز عليك كان أقرب على أن يفتح جل جلاله أبواب الإجابة بين يديك».[62]
وأيضاً ينبغي الدعاء لأنصاره وأعوانه وأصحابه، ومنهم العلماء الربانيين، وأيضا ينبغي لعن أعدائه.
الحادي عشر: التصدق بما تيسر في كل وقت لحفظ الوجود المبارك لإمام العصر (عج)، فهناك من يدفع صدقة يومية عن نفسه وعائلته، وينسى إمام زمانه الذي يفترض أنه أحب إليه من نفسه، ولذا ننصح الموالي حينما يتصدق أن ينوي دفع البلاء عن إمام زمانه(أولاً)، ومن ثم يذكر نفسه وأهله ومن يشاء ... كأن يقول: (اللهم إنّ هذه صدقة لدفع البلاء عن إمام زماني وانصاره، وعنّي وعن والدي، وأولادي وزوجي، ...إلخ)، وفائدة هذا العمل ترجع إليه لأن الصدقة إذا كانت لا تستحق القبول فستُقبل بضميمة بركة الإمام المهدي (عج).
والأفضل أن يدعو له أثناء التصدّق عنه، ومنه التصدّق حين السفر، حيث ورد استحباب أن يقول: «اَللَّهُمَّ إِنَّ هَذِهِ لَكَ وَمِنْكَ وَهِيَ صَدَقَةٌ عَنْ مَوْلاَنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَبَيْنَ يَدَيْ أَسْفَارِهِ وَحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ فِي سَاعَاتِ لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ وَصَدَقَةٌ عَمَّنْ يَعْنِيهِ أَمْرُهُ وَمَا يَعْنِيهِ أَمْرُهُ وَمَا يَصْحَبُهُ وَمَا يُخَلِّفُهُ».[63]
الثاني عشر: الاستمداد والاستغاثة به (عج) حين الشدائد والأهوال والبلايا والأمراض وعند الوقوع في الشبهات والفتن . . .
نعم، إنّ الإمام حيٌّ يسمع كلامنا حتى لو كان غائباً عنّا؛ لأن أهل البيت عليهم السلام حجج الله على البرايا، قد أطّلعهم الله على أعمالنا الظاهرة والباطنة، قال تعالى: [وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ][64]، فالنصوص الروائية تؤكد بأنّ [وَالْمُؤْمِنُونَ] هم آل بيت الرسول عليهم السلام، ومنهم إمام زماننا المهدي (عج).
وقد قرر نفسه (عج) ذلك في التوقيع الذي بعثه إلى الشيخ المفيد: «نحن وإن كنا ثاوين بمكاننا النائي عن مساكن الظالمين، حسب الذي أراناه اللّه تعالى لنا من الصلاح، ولشيعتنا المؤمنين في ذلك ما دامت دولة الدنيا للفاسقين، فإنا نحيط علما بأنبائكم، ولا يعزب عنا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالذل الذي أصابكم».[65]
يروي الشيخ محمد تقي بهجت الغروي في كتابه (حكايات عن الإمام المهدي (عج) )ما نصه: (روى السيد مرتضى الحسيني، أحد عرفاء قم-أنّ الشيخ محمد تقي بافقي رحمه الله كان يواظب ليالي الخميس على زيارة مسجد جمكران. يتابع حديثه: وذات ليلة شتوية ماطرة شديدة البرودة شعرت بشيء من الخوف والقلق على الشيخ وتمنيت لو لم يذهب في تلك الليلة. لم أتمالك نفسي فذهبت إلى بيته، لكنه لم يكن في البيت، فأسرعت مضطرباً إلى مسجد جمكران. كان هنالك محتاج يجلس على قارعة الطريق، وبمجرد أن رآني قال: لِمَ أنت مضطرب؟، قلت: أنا قلق على الشيخ في هذا الجو البارد!، قال: رأيته قبل ساعات مرّ من هنا، ولا اعتقد أنّك ستدركه، فربّما الآن هو في جمكران. رجعت إلى البيت بمزيد من القلق والاضطراب وانشغلت بالتضرّع والدعاء ولم أزل كذلك حتّى غفت عيناي غفوة رأيت فيها مولاي إمام العصر والزمان عليه السلام فناداني: مرتضى لِمَ أنت مضطرب؟ أو تظن أني لم أحط خبراً بالشيخ!!، كنت الآن في مسجد جمكران وهيأت أسباب راحته وعدت!!
فيا عزيزي ليس هنالك من حجاب بين الحبيب والمحبوب، وهل يغيب المحبوب عن حبيبه طرفة عين!!.[66]
إذن بما أنّ الإمام يسمع كلامنا فلنتحاور مع الإمام عليه السلام، فإنّ التواصل والحوار معه يقوّي العلاقة ما بيننا وبينه. يقول الشيخ بهجت (قد): عوّد نفسك في كل يوم أن تتوجه للإمام صاحب الزمان عليه السلام تُصبحَهُ وتُمسّيه، وتقول له: (نسألك الدعاء)، وانظر كيف ستتغير حياتك نحو الأفضل كلمح البصر.
ولا تنسوا التوسل بالإمام عليه السلام في قضاء الحوائج، فلقد وردت أعمال عديدة في التوسل بالإمام المهدي عليه السلام، منها التوسل بالأدعية، أو بصلاة الاستغاثة بالإمام المهدي عليه السلام وهي: ركعتان وتختم بدعاء ورد ذكره في كتب الأدعية والاذكار، ومنها التوسل بالكتابة بما يسمى بــ: (رقعة الحاجة) بأن يكتب حاجته متوسلاً بإمام زمانه (عج)، ويطرحها في شباك قبر أحد الأئمة الأطهار عليهم السلام، أو يرميها في النهر، إلى غير ذلك مما وردت في الروايات.
الثالث عشر: الجهاد تحت راية وليّه:
إن أفضل ما يمكن أن يقوم به الإنسان من أجل تعجيل الظهور هو الإعلان عن الاستعداد التّام لتحقيق الأهداف الإلهية التي سيظهر الإمام المهدي عليه السلام من أجلها، والتي على رأسها بسط العدل ونشر التوحيد والقيم الإلهية السامية.
ويتحقّق هذا من خلال النزول إلى ساحات العمل الجهادي، لأن الانتظار الحقيقي يكون في خنادق المقاومة والجهاد. وهذا هو المعنى الحقيقي لانتظار الفرج، وأيضاً إعداد السلاح للجهاد بين يديه، فقد ورد في البحار عن كتاب الغيبة للنعماني أن الإمام الصادق عليه السّلام قال: «ليعدّن أحدكم لخروج القائم ولو سهما فإن اللّه تعالى إذا علم ذلك من نيته رجوت لأن ينسئ في عمره حتى يدركه».[67]
الرابع عشر: إظهار المحبة والولاء له عليه السّلام.
فقد ورد عن رسول اللّه في حديث المعراج إن اللّه تعالى قال له: «يا محمد، أتحب أن تراهم؟ فقال: تقدم أمامك، فتقدمت أمامي فإذا علي بن أبي طالب، والحسن والحسين وعلي بن الحسين، ومحمد بن علي، وجعفر بن محمد وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد والحسن بن علي، والحجة القائم كأنه الكوكب الدري في وسطهم. فقلت: يا رب من هؤلاء؟ قال: هؤلاء أئمة الحق، وهذا القائم، محلل حلالي ومحرم حرامي، وينتقم من أعدائي، يا محمد أحببه فإني أحبه، وأحب من يحبه».[68]
ولعل الأمر بمحبته -مع أن محبة جميع الأئمة واجبة -أن في محبته خصوصية معينة كانت وراء أمر اللّه تعالى هذا، وأن في وجوده المبارك صفات وشؤون تقتضي هذا التخصيص.
وهناك أعمال يقوم بها الموالي تعبّر عن حبه للإمام المهدي عليه السلام، منها الأعمال التي ذكرناها سابقا، ومنها الأعمال الآتية:
# أن يكون المؤمن مهموما على غياب الإمام المهدي (عج) واستتاره عنه، وعدم الوصول إلى شخصه الكريم، والنظر إلى نوره العظيم.
وقد أشير إلى ذلك في فقرات شريفة من دعاء الندبة المعروفة الذي يستحب أن يقرأ في الأعياد ويوم الجمعة وليلته.
# إهداء ثواب الأعمال الصالحة كقراءة القرآن وغيرها إليه عليه السّلام، وزيارته. وهذان العملان غير مختصين بالإمام المهدي (عج) بل وردا بشأن جميع الأئمة المعصومين عليهم السّلام.
# تجديد العهد والبيعة له (عج) في كل يوم أو في كل وقت ممكن. والمراد من البيعة والعهد معه عليه السلام هو أن يقرّ المؤمن بلسانه ويعزم بقلبه أن يطيعه كل الطاعة، وينصره في أي وقت ظهر فيه، وقد ورد في دعاء العهد المروي عن الإمام الصادق عليه السلام: "اَللَّهُمَّ إِنِّي أُجَدِّدُ لَهُ فِي صَبِيحَةِ يَوْمِي هَذَا وَمَا عِشْتُ مِنْ أَيَّامِي عَهْداً وَعَقْداً وَبَيْعَةً لَهُ فِي عُنُقِي لاَ أَحُولُ عَنْهَا وَلاَ أَزُولُ أَبَداً اَللَّهُمَّ اِجْعَلْنِي مِنْ أَنْصَارِهِ وَأَعْوَانِهِ وَاَلذَّابِّينَ عَنْهُ وَاَلْمُسَارِعِينَ إِلَيْهِ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ وَاَلْمُحَامِينَ عَنْهُ وَاَلسَّابِقِينَ إِلَى إِرَادَتِهِ وَاَلْمُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْهِ".[69]
# إظهار التعظيم لسماع اسمه المبارك (عج) وبالأخص إذا كان باسمه المبارك (القائم) (عج) وذلك لما استقرت عليه سيرة الإمامية (أعز اللّه شأنهم ومقامهم).
#من علامات محبتنا للإمام المهدي عليه السلام هو الفرح لفرحه والحزن لحزنه في أيام الله كأيام شهادة المعصومين عليهم السلام.
المبحث الثالث: موت المنتظر قبل ظهور إمام زمانه
لقد تكلمنا في المبحثين السابقين عن الجزء الأول من حديث الإمام الصادق عليه السلام، ونريد أن نختم المحاضرة بشرح مختصر للجزء الثاني للحديث وهو قوله عليه السلام: «فَإِنْ مَاتَ وَقَامَ الْقَائِمُ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ...».[70]
ربّ تساؤل يرد: ما الجدوى من الاستعداد فقد نموت قبل يوم الظهور؟، فالكثيرُ ممَّن مضوا قد أجهدوا أنفسهم ثم ماتوا ولم يُدركوا يوم الظهور، فذهب استعدادُهم أدراجَ الرياح، وكذلك نحن كم مضى من أعمارنا وكم بقيَ منها!، فقد نموتُ دون إدراك يوم الظهور!!
الجواب: ونردّ عليه بهاتين النقطتين:
1. إنَّ مثل هذا الشعور البائس يبعثُ على الوهن والتقهقر ويُفضي إلى سوء العاقبة، إنَّ المؤمن -كما أفاد أهلُ البيت عليهم السلام-إذا أعدَّ نفسه ليوم الظهور المبارك، ثم أدركه الموت، فرحل إلى ربِّه، فإنه يُكتب عند الله من أنصار صاحب الأمر، وكان له أجر من أدرك ظهوره المبارك، وهذا ما صرّح به الإمام الصادق عليه السلام في الحديث -محل البحث-بقوله: «فَإِنْ مَاتَ وَقَامَ الْقَائِمُ بَعْدَهُ كَانَ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلُ أَجْرِ مَنْ أَدْرَكَهُ»[71]، بل وصرّحت به روايات أخرى، منها:
# روي عن الإمام الباقر عليه السلام: "العارف منكم هذا الأمر المنتظر له المحتسب فيه الخير كمن جاهد والله مع قائم آل محمد صلى الله عليه وآله بسيفه".[72]
# وعنه أيضاً عليه السلام: "من مات منتظرا لهذا الأمر كان كمن كان مع القائم في فسطاطه[73]، لا بل كان كالضارب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله بالسيف" [74].
# عن الإمام الباقر عليه السلام: "ما ضر من مات منتظراً لأمرنا لا يموت في وسط فسطاط المهدي وعسكره".[75]
يقول صاحب كتاب شرح أصول الكافي: يعني من عرف حقنا وقال بوجود المهدي وانتظر لظهوره لا يضر أن لا يدرك المهدي ولا يموت في فسطاطه أو في عسكره فإنه يدرك تلك الفضيلة وينال تلك الكرامة بحسب الواقع.[76]
إذن المنتظر الملتزم بالتكاليف التي ذكرناها إذا مات سيُكتب عند الله من أنصار صاحب الأمر، وكان له أجر من أدرك ظهوره المبارك....
وهذا الوسام هو الغاية التي يحرص المؤمن على بلوغها، فهو إنَّما يستعدَّ ليبلغ هذه الدرجة، درجة المؤتمِرين بأمر الإمام والمستشهدين بين يدي الإمام عليه السلام، هذه الدرجة يُمكن لكلِّ أحدٍ تحصيلها حتى وإن لم يتشرَّف برؤية الإمام ولم يتشرَّف بالاستشهاد بين يديه.... غدا يُحشر في ركب الإمام عليه السلام وفي أنصاره ويحظى بشفاعته ومرافقته في الجنَّة ويكون ممَّن قال الله تعالى فيهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.[77]
إذن، فبهذا العمر القصير يستطيعُ المؤمن أنْ يُكتَبَ في سجلِّ أنصار الإمام المهدي عليه السلام وإنْ لم يُوفَّق لرؤيته والتشرُّف بالكون في دولته. لذلك فعلينا العمل والاستعداد والجدَّ في مجاهدة النفس دون أنْ نُدخِلَ في حسابنا متى سيظهرُ الإمام عليه السلام، فالغرضُ هو أنْ نكون في مرضاة الله عزَّ وجل، وأن نُحشرَ يوم القيامة وقد أدَّينا الحقَّ الذي في أعناقنا والبيعة التي بايعنا بها صاحبَ العصر والزمان عليه السلام، فحين نُؤدِّي حقَّ هذه البيعة، عندئذٍ سوف نُحشر يوم القيامة ونحن في زمرة الإمام عليه السلام وفي ركبه، وننال درجة الذين سوف يُستشهدون بين يديه، وفيما عدا ذلك سوف لن نكونَ في ركبِه، فحتى لو ظهرَ الإمام عليه السلام ونحنُ على قيد الحياة لكنَّنا لم نستعدَّ ولم نُروِّض أنفسنا ونجاهد أهواءنا فإنَّنا فلن نحظى بشرف اللِّحاق بأنصاره وأتباعه.[78]
2. قولكم: (ما الجدوى من الاستعداد فقد نموت قبل يوم الظهور ولا ندرك الإمام عليه السلام؟)، نقول: إن المؤمن المنتظِر الذي لم يُدرك الإمام في حياته، إذا كان مخلصاً في حبه وولائه للإمام، فقد يوفق أن يبعثه الله من قبره ليكون من أنصار الإمام المهدي عليه السلام، وهذه حقيقة أكدها دعاء العهد نفسه وهي قوله عليه السلام: (اَللَّهُمَّ إِنْ حَالَ بَيْنِي وَ بيْنَهُ اَلْمَوْتُ اَلَّذِي جَعَلْتَهُ عَلَى عِبَادِكَ حَتْماً مَقْضِيّاً فَأَخْرِجْنِي مِنْ قَبْرِي مُؤْتَزِراً كَفَنِي شَاهِراً سَيْفِي مُجَرِّداً قَنَاتِي مُلَبِّياً دَعْوَةَ اَلدَّاعِي فِي اَلْحَاضِرِ وَاَلْبَادِي…).
بعد إنّ فهمنا المقطع الثاني من حديث الإمام الصادق عليه السلام، يختم كلامه بقوله: «فَجِدُّوا وَانْتَظِرُوا، هَنِيئاً لَكُمْ أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ الْمَرْحُومَةُ»، أي أنّ الإمام يطلب منّا أن نجدّ ونجتهد لنكون من أصحاب وأنصار الإمام المهدي (عج) الذين وصفتهم الروايات بصفات متميزة، منها ما روي عن الإمام الصادق عليه السلام:" .... رجال لا ينامون الليل، لهم دوي في صلاتهم كدوّي النحل يبيتون قياما على أطرافهم ويصبحون على خيولهم، رهبان بالليل ليوث بالنهار وهم أطوع له من الأمة لسيّدها، كالمصابيح كأن قلوبهم القناديل وهم من خشية اللّه مشفقون، يدعون بالشهادة، ويتمنّون أن يقتلوا في سبيل اللّه، شعارهم (يا لثارات الحسين)" [79].
نعم، هذه الصفات تذكرني بصفات أصحاب وأنصار الإمام الحسين عليه السلام الذين باتوا ليلة عاشوراء، ولهم دويّ كدوي النحل، ما بين راكع وساجد، وقائم وقاعد، فكانوا رهبان بالليل وليوث بالنهار، يدعون بالشهادة، ويتمنّون أن يقتلوا في سبيل اللّه .... ولم يستثنِ من ذلك حتى الصبيان ومنهم القاسم بن الحسن عليه السلام الذي لم يبلغ الحلم ... حيث تذكر كتب المقاتل:(إنّ الحسين عليه السلام بعدما قتل أصحابه وأهل بيته أخذ ينادي: وا غربتاه، وا قلة ناصراه، أما من معين يعيننا؟ أما من ناصر ينصرنا؟ أما من ذاب يذب عنا؟
فخرج القاسم فلما نظر إليه الحسين عليه السلام اعتنقه وجعلا يبكيان حتى غشي عليهما، فلما أفاقا طلب القاسم المبارزة فأبى الحسين عليه السلام فقال: يا عماه لا طاقة لي على البقاء، وأرى بني عمومتي وأخوتي مجزرين، وأراك وحيدا فريدا.
فقال له الحسين عليه السلام يا ابن أخي أنت الوديعة، فلم يزل القاسم يقبل يديه ورجليه فقال له عمه: يا ولدي أتمشي برجلك إلى الموت؟ فقال: وكيف يا عم وأنت بقيت بين الأعداء وحيدا فريدا لم تجد ناصرا ولا معينا، روحي لروحك الفداء، ونفسي لنفسك الوقاء. فأذن له الحسين عليه السلام ولكن قبل أن يبرز قال له: بني قاسم هلم إلي، فدنا منه القاسم فأخذه الحسين عليه السلام وشق أزياقه وقطع عمامته نصفين وأدلاها على وجهه، ثم ألبسه ثيابه على صورة الكفن وأرسله إلى البراز، فحمل على القوم وهو يقول:
إنْ تُنكروني فأنا نجلُ الحسنْ
سبطِ النبيّ المجتبى والمؤتَمنْ
هذا حسينٌ كالأسيرِ المرتَهنْ
بين اُناس لا سُقوا صوبَ المـُزَنْ
يقول حميد بن مسلم: خرج إلينا القاسم بن الحسن وبيده سيفه ووجهه كفلقة قمر طالع، وعليه قميص وإزار، وفي رجليه نعلان. فبينما هو يقاتل إذ انقطع شسع نعله اليسرى، فوقف ليشدها فقال عمر بن سعد بن نفيل الأزدي: والله لأشدن عليه، وأثكلن به أمه فقلت: وما تريد بذلك؟ والله لو ضربني ما بسطت يدي، يكفيك هؤلاء الذين تراهم قد احتوشوه من كل جانب. قال: والله لأفعلن. فشد على الغلام فما ولى حتى ضرب الغلام بالسيف على رأسه، فوقع القاسم لوجهه وصاح: أدركني يا عماه، فأتاه الحسين عليه السلام وإذا بالغلام يفحص بيديه ورجليه:
نادى حسينا عمه متشكيا
بُعدَ الوصالِ وقُربَ هجرٍ دائمِ
فأتاه وهو إذن يجود بنفسه
ويفيض منه الجرحُ فيضَ غمائم
فقال الحسين عليه السلام: عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك فلا يعينك، أو يعينك فلا يغني عنك، بعدا لقوم قتلوك، ومن خصمهم يوم القيامة جدك وأبوك، هذا يوم والله كثر واتره وقل ناصره).[80]
(نصاري)
بچه او ناداه يا جاسم اشبيدي
يريت السيف گبلك حز وريدي
هان الكم تخلّوني اوحيدي
او على اخيمي يعمي الگوم تفتر
يعمي اشگالت امن الطبر روحك
يجاسم ما تراويني اجروحك
لون ابگه يعمي چنت انوحك
ابگلب مثل الغضا وبدمع محمر
گعد عنده او شافه ادمومه اتفوح
او كل اكتار جسمه مجرّحه اجروح
وهو يرفس ايعالج نزعتِ الروح
مات او ظل أبو اسكينه امحيَّر
(بحر طويل)
يا سباح گلبي او يا عزيز الروح
لفراگك دمع عيني دمه مسفوح
ابها الساعه يعمي اعلى الثرى ومطروح
يشبيّب يمن ما تحصل امثاله
گلي اشعاجلك علموت يمچنه
گبل ما تكبر او بالعرس تتهنه
يعمي الحسن عودك شعتذر منه
وانته اوديعته او سبّاح دلاله
(تخميس)
لمصابهِ اظلمَّ الصباحُ وفجرُه
ولفقدِه اغبر النهارُ وعصرُه
والبدرُ بعد البدر كُوِّر نورُه
يا كوكبا ما كان أقصرَ عمرَه
وكذا تكون كواكبُ الأسحارِ[81]
[1] الغيبة-النعماني-ص 200-باب 11 -ح 16.
[2] مصباح المتهجد -الطوسي-ص843.
[3] المزار -محمد بن المشهدي-ص107.
[4] مصباح المتهجد-الطوسي-ص413.
[5] مجلة رسالة القلم/ ralqalam.com/ المواضيع العقائدية/ أنصار الحجة المنتظر (عج)-الشيخ عزيز حسن الخضران-بتصرف.
[6] إكمال الدين-الصدوق-ص 654.
[7] بحوث في الحياة السياسية لأهل البيت عليهم السلام، سلسلة المعارف الإسلامية -مركز نون للتأليف والترجمة -ص374-375.
[8][8] وكالة أون نيوز/ on-iq.net/ المقالات/ كيف نكون من أنصار الامام صاحب الزمان-بقلم: حسن الجبوري في تاريخ مايو 26, 2022-بتصرف.
[9] الغيبة-النعماني-ص 200-باب 11 -ح 16.
[10] العِصَابَةُ لغةً: الجماعة من الناس.
[11] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٥٢ -ص ١٢٢.
[12] الغَيْبَة-الشيخ الطوسي -ص456.
[13] راجع كتابي: الإمام المهدي ع واليوم الموعود-الشيخ خليل رزق-ص617-624-بتصرف، وكتاب: درب الهداية -مركز نون للتأليف والترجمة -ص232-235-بتصرف.
[14] بحار الأنوار -العلامة المجلسي-ج٥١-ص٨٧.
[15] تحف العقول -ابن شعبة الحراني -ص403.
[16] الكافي -الشيخ الكليني -ج1-ص377-379.
[17] كفاية الأثر-الخزاز القمي -ص263.
[18] زاد المبلغات-مياسة شبع-ج1-ص96.
[19] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٥٢ -ص١٢٢.
[20] للتوسع في فهم المطلب راجع المحاضرة المعنونة بـــ: (الانتظار بين السلب والإيجاب) في كتاب (زاد المبلغات) -تأليف مياسة شبع-ج2-ص115.
[21] إكمال الدين-الصدوق-ج 2 -ص 644 -باب 55 -ح 3.
[22] كتاب وتزودوا في شهر الله-المركز الإسلامي للتبليغ-ص42.
[23] البحار-المجلسي-ج 52-ص 140-باب 22-ح 50.
[24] الاحتجاج -الشيخ الطبرسي-ج٢-ص٣٢٥.
[25] الغيبة -الشيخ النعماني-ص١٤٤.
[26] دلائل الإمامة -الطبري الشيعي-ص٥٤٠.
[27] الغيبة-الشيخ النعماني-ص٢١١.
[28] مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام/ m-mahdi.info/ الأسئلة والأجوبة المهدوية/ عصر الغيبة/ (١٢٣١) هل ذنوبنا تؤخر ظهور الإمام (عجّل الله فرجه)؟
[29] بحار الأنوار –المجلسي-ج 44 -ص 382.
[30] البقرة/85.
[31] كمال الدين وتمام النعمة -الشيخ الصدوق-ج٢-ص٤٤٠، ب٤٥- ح٤.
[32] مركز الرصد العقائدي/ alrasd.net / الأسئلة والأجوبة/ تراث إسلامي/ مَن هُم رواةُ الحديثِ في التّوقيعِ المُباركِ: (وأمّا الحوادثُ الواقعةُ فارجعُوا فيهَا إلى رواةِ حديثِنَا).
[33] الوسائل-الحر العاملي-ج٢٧-ص١٣١.
[34] النحل/ ٤٣.
[35] مركز الدراسات التخصصية في الإمام المهدي عليه السلام/ m-mahdi.info/ الأسئلة والأجوبة المهدوية/ عصر الغيبة/(١٣٣) كيف تأخذون من إمامكم وهو غائب ولا يُرى؟ -بتصرف.
[36] بحار الأنوار-المجلسي-ج52-ص 140.
[37] كتاب دروس في التربية الأخلاقية-مركز نون للتأليف والترجمة-ص218-بتصرف.
[38] الكافي -الشيخ الكليني -ج ٢ -ص ٦٣٦.
[39] الغيبة -الطوسي-ص335.
[40] كمال الدين وتمام النعمة -الشيخ الصدوق-ص645.
[41] مناقب آل أبي طالب-ابن شهر آشوب -ج3-ص527.
[42] الكافي-الكليني-ج ٨ -ص ٣٧ -ح ٧ عن حمران.
[43] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٢٨ -ص ٤٧.
[44] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -الشيخ ناصر مكارم الشيرازي -ج ٦ -ص ٣٩٧.
[45] ميزان الحكمة -محمد الريشهري -ج ٢ -ص ١٥٥٨.
[46] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٢٨ -ص ٤٧.
[47] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٦٨ -ص ٩٦.
[48] بحار الانوار-المجلسي-ج 177-ص53.
[49] جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ٢ -ص ١١.
[50] نهج البلاغة-الحكمة 466.
[51] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج52-ص122.
[52] البلد الأمين-الكفعمي-ص ٤٨٠.
[53] بحار الأنوار-المجلسي-ج51-ص 72.
[54] المائدة/51.
[55] كمال الدين وتمام النعمة -الشيخ الصدوق-ص51.
[56] كمال الدين -الصدوق -ج 2 -ص 384 -ح 1.
[57] كمال الدّين وتمام النعمة-الشيخ الصدوق-ص 482.
[58] السجدة/ 30.
[59] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٥٢ -ص ١٤٩.
[60] الاحتجاج -الطبرسي-ج 2 -ص 284.
[61] درب الهداية-مركز نون للتأليف والترجمة –ص234.
[62] فلاح السائل-السيد ابن طاووس -ص 44 -45.
[63] الأمان من أخطار الأسفار والأزمان-السيد ابن طاووس-ص39.
[64] التوبة/105.
[65] الاحتجاج -الطبرسي -ج 2-ص 322 -323.
[66] حكايات عن الإمام المهدي عج -الشيخ محمد تقي بهجت الغروي-ص20-21.
[67] كتاب الغيبة -محمد بن إبراهيم النعماني -ج1-ص ٣٣٣.
[68] كتاب الغيبة -محمد بن إبراهيم النعماني -ج1-ص ٩٣.
[69] مفاتيح الجنان –الشيخ عباس القمي-539.
[70] البحار-المجلسي-ج 52-ص 140-باب 22-ح 50.
[71] الغيبة-النعماني-ص 200-باب 11 -ح 16.
[72] أهل البيت في الكتاب والسنة -محمد الريشهري -ص ٥٠٤.
[73] الفُسْطاطُ: الخيمة، بَيْت يُتَّخذ من الشَّعَر.
[74] كمال الدين-الشيخ الصدوق-ص 338 -ح 11 عن المفضل بن عمر.
[75] الكافي -الشيخ الكليني-ج١-ص٣٧٢.
[76] شرح أصول الكافي -مولي محمد صالح المازندراني -ج ٦ -ص ٣٤٤.
[77] الأحقاف/16.
[78] حوزة الهدى للدراسات الإسلامية/ alhodacenter.com/ محاضرات مفرّغة للشيخ محمّد صنقور/ حديثٌ حول انتظارِ الفرَج-بتصرف.
[79] البحار –المجلسي-ج 52 -ص 308.
[80] الدمعة الساكبة -ج4 -ص315. معالي السبطين -ج1 -ص460. أسرار الشهادة للدربندي.
[81] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج1-ص360-363.
: مياسة شبع