أصبح المذهب الجعفري منسوباً إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، لما كان له من دورٍ محوري في نشر العلوم الإسلامية وتأسيس مدرسة فكرية وفقهية متميزة، و ارتبطت بشخصيته العلمية الفذة وما قدّمه من إسهامات كبيرة في مجالات الفقه والعقيدة.
وقد انتشر هذا المذهب بين الأوساط العلمية، نظراً لكثرة تلامذة الإمام (عليه السلام)، حيث يُروى أن عددهم بلغ نحو أربعة آلاف تلميذ، كان فيهم كبار العلماء والفقهاء، الذين أسهموا لاحقاً في نقل علومه وتدوينها. ومنهم من تتلمذ عليه أو تأثر بمدرسته، كالإمام أبو حنيفة النعمان والإمام مالك بن أنس، مما يدل على سعة تأثيره العلمي.
وقد رُوي أنه التقى بالإمام الصادق (عليه السلام) وأخذ عنه وروى عنه بعض الأقوال، ويُذكر في المصادر التاريخية أنه قال: لولا السنتان لهلك النعمان في إشارة إلى فترة حضوره عنده
وبرزت مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) بين المدارس العلمية في عصره، لا سيما في المدينة المنورة، حيث كانت حلقاته العلمية تُعقد في المسجد النبوي، وشملت مختلف العلوم، مثل الفقه، والتفسير، وعلم الكلام، إضافة إلى بعض المعارف العقلية كالفلسفة والمنطق، بل ونُسب إليه التأثير في علوم أخرى كالكيمياء عبر تلميذه جابر بن حيان، فضلاً عن إشارات إلى اهتمامه ببعض مباحث الكون والطبيعة.
ومن الجدير بالذكر أن نشاط الإمام العلمي تبلور في مرحلة نضوجه خلال فترة إمامته، حيث عاصر تحولات سياسية مهمة بين الدولتين الأموية والعباسية، مما أتاح له مساحة أوسع لنشر علوم أهل البيت (عليهم السلام)، في ظل انشغال الحكام بالصراعات السياسية.
وفي هذا السياق، تُنقل بعض الروايات التي تعكس نبوغ الإمام (عليه السلام) منذ صغره، ومن ذلك ما يُروى أنه في زمن الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك، الذي أمر بتوسعة المسجد النبوي، وكلف عامله على المدينة عمر بن عبد العزيز بالإشراف على ذلك، قدم إلى المدينة للاطلاع على أعمال التوسعة.
وعند دخوله المسجد، وجد الإمام محمد الباقر (عليه السلام) يُلقي درساً على تلامذته، فسلّم عليه وطلب منه الاستمرار في الدرس. وخلال ذلك، لفت نظره غلامٌ بين الحاضرين، فقيل له: إنه الإمام جعفر الصادق، وقد عُرف بذكائه ونبوغه.
فاستدعاه الوليد، وسأله: من صاحب علم المنطق؟
فأجاب: أرسطو، وقد لقّبه بذلك تلامذته.
ثم سأله: من صاحب "المعز"؟
فأجابه: ليس اسماً لشخص، بل يُطلق على مجموعة من النجوم.
ثم سأله: من صاحب السواك؟
فأجابه الإمام فوراً: «هو لقب عبد الله بن مسعود، صاحب جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).»
فبُهِت الوليد من علمه وسرعة بديهته، وأبدى إعجابه الشديد به، ثم توجّه إلى الإمام الباقر (عليه السلام) مهنئاً، وقال: "إن ابنك هذا سيكون من أعلام عصره".
وقد صدق هذا التوقع، إذ أصبح الإمام الصادق (عليه السلام) لاحقاً من أبرز علماء الأمة الإسلامية، ومرجعاً مهماً في مختلف العلوم، وأسهم في ترسيخ قواعد الاجتهاد وتوضيح أصول الاستنباط، حتى أصبحت مدرسته من أهم المدارس الفكرية في التاريخ الإسلامي.
وهذا الامتدادُ العلمي ليس غريباً على أهلِ البيت (عليهم السلام)، الذين عُرفوا بالعلمِ والحكمةِ والاصطفاء الإلهي، غير أن ما يُنقل من رواياتهم وكلماتهم يُستحسن تناوله بروحٍ علميةٍ رصينة، مع الإيمان بمقامهم الرفيع ودورهم العظيم في حفظ الدين وبناء الفكر الإسلامي الأصيل.
فهم امتدادٌ لرسولِ الله (صلى الله عليه وآله)، الذي قال الله تعالى في حقه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾، ومن هذا المنطلق فإن علوم أهل البيت (عليهم السلام) تنبع من مشكاة النبوة، وتمتد من فيض الهداية الإلهية، بما جعلهم خزنةَ علمِ الرسول (صلى الله عليه وآله) وأمناءه على شريعته.
وعليه، فإن ما ورد عنهم من علومٍ ومعارف يُنظر إليه في الإطار الإيماني على أنه علمٌ إلهيٌّ ربّانيّ، أودعه الله تعالى فيهم، ليكونوا هداةً للناس ومصابيحَ للهدى في ظلمات الجهل والضلال.
: فاطمة الحسيني