بصوتٍ مرتجف بدأت:
"يا دكتورة... لقد سئمت. كل يوم مشكلة، وكل ليلة تنتهي بصرخة أو إهانة أو دمعة. زوجي عصبي لا يتفاهم، يثور لأبسط الأسباب، وكأن الحياة كلها معركة يجب أن يخوضها. تخيلي أن أموراً تافهة لا تستحق دقيقة من النقاش تتحول بيننا إلى ساعات من الجدال والصراخ."
ثم وضعت يدها على صدرها وقالت:
"لم أعد أعرف نفسي... أشعر أنني أصبحت جسداً بلا روح. أتحدث معه كثيراً، أقول له: لماذا تفعل هذا؟ لماذا لا نعيش بسلام؟ لماذا لا نكون مثل أي زوجين يتشاركان المودة والرحمة؟ لكنه لا يسمعني، أو ربما يسمعني بطريقة أخرى. كل كلمة أقولها تتحول إلى خلاف، وكل محاولة للتقرب منه تنتهي بمسافة أكبر بيننا."
"لم يكن هكذا في بداية زواجنا. كانت أيامنا هادئة، وكان الخلاف يمر سريعاً ثم يعود الود ليملأ البيت. أما اليوم فأشعر أن ذلك الود يذوب شيئاً فشيئاً، حتى لم يبق منه إلا ذكريات بعيدة. حلّ مكانه العنف النفسي، وأحياناً الجسدي، حتى أصبحت أخشى الحديث أكثر مما أخشى الصمت."
- دكتورة اسمهان ''أنا أتفهم ما تشعرين به من ألم وضغط نفسي، لكن قبل أن نصل إلى صورة واضحة عن حياتك الزوجية، أود أن أسألك بعض الأسئلة. عندما تتحدثين مع زوجك، هل تستخدمين عبارات من قبيل: افعل هذا، لا تفعل ذلك، يجب أن تكون هكذا، ولماذا لا تتصرف بهذه الطريقة؟"
ثم قالت:
"نعم... ربما لا أقولها بهذه الصيغة المباشرة، لكن المعنى يكون موجوداً."
فقلت:
"يا عزيزتي، كثير من الرجال قد يفهمون مثل هذه العبارات على أنها محاولة للسيطرة أو لتغيير شخصياتهم، فيشعرون داخلياً بأنهم موضع انتقاد دائم أو أنهم غير مقدَّرين، حتى وإن كانت نية الزوجة الإصلاح والمساعدة."
قاطعتني بسرعة وقالت:
"لكن يا دكتورة، أنا لا أريد السيطرة عليه، كل ما أريده أن ألفت انتباهه إلى بعض الأمور وأساعده على تصحيحها."
ابتسمت لها برفق وقلت:
"وأنا لا أشكك في نيتك أبداً، فغايتك قد تكون سليمة وصادقة، لكن المشكلة ليست دائماً في النوايا، بل في الطريقة التي تصل بها الرسائل إلى الطرف الآخر. فالزوجة أحياناً تخشى أن تنحرف الحياة عن مسارها الصحيح، فتندفع لإصلاح كل ما تراه خطأً، مدفوعة بمعتقدات وأفكار تشكلت عبر سنوات من التربية والخبرة والبيئة التي عاشت فيها."
ثم إن الوصول إلى حياة زوجية مستقرة يتطلب أن نتعرف على المعتقدات والأفكار التي تقف خلف المشكلات والخلافات المتكررة لدى كل من الزوجين، ثم نعرضها على الشرع والعقل لنعرف مدى صحتها. فالمرأة غالباً تتعامل وفق معتقدات تبنتها من بيئتها؛ فترى أن الاهتمام يعني المتابعة، وأن الحب يعني التوجيه والإصلاح المستمر. أما الرجل فيتعامل بأسلوب مختلف، وقد يرى تلك المحاولات نوعاً من الانتقاد أو التشكيك بقدراته."
سكتُّ قليلاً ثم أضفت:
"وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية؛ فهي تتحدث بلغة الحرص، وهو يسمع لغة اللوم. هي تريد الإصلاح، وهو يشعر بأنه متهم. هي تقترب لإنقاذ العلاقة، وهو يبتعد دفاعاً عن ذاته. ومع تكرار المشهد تتراكم الجراح، حتى يظن كل طرف أن الآخر لا يفهمه، بينما الحقيقة أن كلاً منهما أسيرٌ لمعتقداته وطريقته الخاصة في تفسير الأمور."
خفضت رأسها وهي تستمع، ثم قالت بصوتٍ خافت:
"لأول مرة أشعر أن خلف خلافاتنا أسباباً أعمق من مجرد الغضب والمشكلات اليومية."
فقلت:
"نعم، وعندما يتعلم الزوجان تصحيح هذه المعتقدات، ويفهم كل منهما لغة الآخر وطريقة تفكيره، تبدأ الأبواب المغلقة بالانفتاح من جديد، ويصبح من الممكن إعادة بناء ما تصدع من المودة والرحمة على أسس أكثر وعياً ونضجاً."