في رحاب ذكرى ولادة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) وحفيده الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، تتجدد معاني النور المحمدي، ويشرق من سيرتهما المباركة طريقٌ ممتدٌّ من الرسالة إلى الإمامة، ومن الوحي إلى العلم، ومن الأخلاق إلى صناعة الإنسان.
وفي هذه الأجواء الإيمانية المباركة، أقام مركز الإرشاد الأسري – فرع النجف الأشرف جلسةً حواريةً ثقافيةً إرشادية، ترأستها مديرة المركز الحاجة كفاح أحمد الوائلي، بحضور عدد من منتسبات المركز، في لقاءٍ امتزج فيه عبق الولادة المباركة بعمق السيرة، واستُحضرت خلاله محطاتٌ مضيئة من حياة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، وما حملته سيرتهما من معاني الرحمة والعلم والهداية والإصلاح.
واستهلّت الجلسة حديثها من المنبع الأول لهذا النور، من سيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، الرسول العظيم الذي كانت الرحمة في حياته خُلُقًا ومنهجًا، وكانت الأخلاق جوهرًا من جواهر رسالته، بها ارتقى بالإنسان، وأرسى أسس الإصلاح، وأقام نموذجًا متكاملًا في بناء الفرد والأسرة والمجتمع.
ومن هذا الامتداد النبوي، انتقل الحوار إلى رحاب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، حيث تناولت الحاجة كفاح الوائلي دلالة لقبه «الصادق»، موضحةً أن هذه الألقاب تكريمية وتشريفية، شرّفهم الله تعالى بها، وخصّهم بها عن طريق رسوله (صلى الله عليه وآله)، لما تجلّى في شخصيته المباركة من صدق القول والعمل، وما أكرمه الله تعالى به من مراتب الفضل والعلم، فضلًا عما اختصّ به أهل البيت (عليهم السلام) من مكانةٍ جعلتهم منارًا للهداية ومصدرًا للمعرفة.
وفي سياق الحديث عن مقام الإمام الصادق (عليه السلام)، انتقلت الجلسة إلى المدرسة الصادقية، بوصفها امتدادًا أصيلًا لمدرسة النبوة، ومنهجًا معرفيًا يستند إلى الرواية المأثورة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام)، لا إلى الاجتهاد القائم على الرأي والتخمين. وقد استمدّت هذه المدرسة معارفها من علمٍ موروثٍ متصلٍ بسلسلة أهل البيت (عليهم السلام)، بما تلقّاه الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) عن آبائه الطاهرين، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فغدت امتدادًا للمعين المحمدي وحافظةً لميراثه العلمي والفقهي، وبرزت في ذلك العصر بخصوصيتها العلمية والمنهجية بين المدارس الفقهية والاجتهادية المتعددة، بما قدّمته من تراثٍ روائي ومعرفي متصلٍ بمصدر الرسالة.
ومن رحاب العلم والهداية، امتدّ الحديث إلى عبق كربلاء، حيث أشارت الحاجة كفاح الوائلي إلى قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): «حسينٌ مني وأنا من حسين»**، وقوله (صلى الله عليه وآله): «الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة»، مبينةً أن الحسين (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله) نسبًا ورسالةً، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) منه امتدادًا للنهج والقيم والمبادئ التي جاء بها.
وتوقفت عند الدلالة العميقة لوصف الإمام الحسين (عليه السلام) بـ«مصباح الهدى» و«سفينة النجاة»؛ فالمصباح يبدد ظلمات الطريق، ويمنح السائر بصيرةً تهديه إلى سبيل الحق حين تتشابه المسالك، فيما تمثل السفينة ملاذًا للنجاة حين تتلاطم الأمواج. ومن هذا المعنى، يغدو الحسين (عليه السلام) نورًا يهتدي به الإنسان في ظلمات الحياة، وسفينةً تنقذ المحبّ من تلاطم أمواج الدنيا وأهوائها، وتأخذه إلى برّ الأمان.
وهكذا تتكامل محاور الجلسة في مسارٍ واحد؛ يبدأ من نور المصطفى (صلى الله عليه وآله)، ويمتد إلى علم الصادق (عليه السلام)، ويصل إلى موقف الحسين (عليه السلام)، لتتجلّى وحدة المنهج وامتداد الرسالة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، وليبقى هذا النور هاديًا للإنسان في بناء نفسه وأسرته ومجتمعه.

