قد يظن الإنسان أنه الأكثر وعيًا وذكاءً، وأن قراراته نابعة من اختياراته الشخصية، لكنه قد لا يدرك أن هناك أحيانًا أيادي خفية تعمل على توجيه اهتماماته، والتأثير في مشاعره وأفكاره، حتى يصبح منفذًا لما يُرسم له دون أن يشعر.
فمع مرور الوقت، تتسلل أنماط من التأثير النفسي والعاطفي إلى حياتنا، وتُقدَّم لنا الأفكار والسلوكيات بصورة تبدو طبيعية ومقبولة، فنراها تتكرر أمامنا يومًا بعد يوم، حتى نبدأ بتبنّيها والسير خلفها دون أن نتساءل: هل اخترناها حقًا، أم اختيرت لنا؟
ومن أبرز أدوات هذا التأثير الترندات؛ فهي ليست دائمًا مجرد وسيلة للترفيه، بل قد تتحول إلى أداة لصناعة الاهتمام وتوجيه السلوك والتأثير في طريقة تفكير الجمهور.
وقد يتساءل البعض: ما الضرر في ذلك؟
فالترند قد يبدأ بأمر بسيط جدًا؛ صورة، ابتسامة، تحدٍّ عابر أو مقطع قصير. لكن التأثير قد يحدث بصورة تدريجية؛ إذ يجذب انتباهك أولًا، ثم يستثير مشاعرك، ثم يدفعك إلى المشاركة، ومع تكرار التعرض والتفاعل، يصبح الأمر جزءًا من سلوكك اليومي.
وهنا تكمن الخطورة: أن يبدأ الإنسان بالمشاركة لأنه يريد، ثم يستمر لأنه اعتاد، ثم يصل إلى مرحلة لا يدرك فيها أنه أصبح يسير ضمن مسار رُسم له مسبقًا.
لذلك، فإن الوعي الحقيقي لا يعني أن نرفض كل ما هو جديد، وإنما أن نتوقف ونسأل قبل أن نتبع:
لماذا انتشر هذا؟ ولماذا انجذبت إليه؟ ومن المستفيد من تفاعلي معه؟ وهل هذا اختياري فعلًا أم أنني فقط أكرر ما يفعله الآخرون؟
فالوعي يبدأ عندما نستعيد قدرتنا على التفكير قبل التفاعل، والاختيار قبل التقليد.
: تحرير /فاطمة الحسيني