image

أشرقت الشمس معلنة آيات الولاء، حيث بدت حزنها مبكراً من غير عادتها، مستعينة برياح هوجاء محملة بغمائم صفراء لكي تطغي بأشعتها على من تفيض روحه نورا إلى السماء، اختلطت لدينا فرحة الميلاد بصبر فقد النبي فصار ربيع الولادة بطيف الحزن. 

يخاطب علي ابن ابي طالب نفسه ومطأطأ رأسه حزناً وهو يجهز مراسيم العزاء قائلا: "من بعدك يا نبي الرحمة تتوالى المصائب والفقدان، وبرحيلك يفقد الإسلام مهجته، وتعصر آية الكوثر بين الباب والمسمار، ويذبح أبنك ككبش فداء بكربلاء وينادي الظليمة الظليمة من أمة قتلت ابن بنت رسول الله وتسبى عياله كالسبايا في الطرق والفلوات... وأنا أضرب برأسي من اشقى الاشقياء...." 

هي بهجة الولادة خرجت من جرح الفقد واربعينية الحسين لتتوضأ بالدمع وتصلي الشكر، حيث يجلس (وصيه وأبن عمه) بقربه متمعنا بسورة النور في وجهه ويتزود في آخر دقائق من حياته.. أمسك رسول الله يد أمير المؤمنين وضمها إلى صدره وقال: "كنت نعم الفتى والأخ وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أن لا نبي من بعدي..". غرغرت عيناه بالدموع وبكى قلبه حسرة.. وواساه: "يا حبيب الله، كنت رحمة الله التي أرسلت للناس وقبلة الهدى العالمين، من بعدك يضل الكثيرون ويهجر كتاب الله.. هي فرحة الولادة تغمرنا بإطلالة هذا الحزن المتوج بالقداسة". 

جلست فاطمة الزهراء على يمينه تسمع وتشاهد الأحداث، وقد ضرب الحزن اوتار قلبها الكسير وتجمعت في عينيها الدموع منتظرة أول فرصة للهطول.. 

الرسول قال لابنته قد أخذت دموعها مأخذاً من قلبه: 

"يا أبنتي قرة عيني.. لا تحزني، أنت أول أهل بيتي لحوقا بي.. هي ذي بشارة الفرح المتوج بالولادة..." 

توهج قلب الزهراء (عليها السلام) للحظة بسماع الخبر لسرعة التحاقها بأبيها رسول الله، عادت مرة أخرى تفيض حزنا دموعاً لفقد ابيها. الشمس كورت وأنشقت السماء تريد روحه العروج إلى رب العرش العلى.. 

ما هي إلا لحظات والرسول ينوء بنفسه وتباطأت دقات قلبه كالعليل... نزل ملك الموت عزرائيل بأمر من الله، وملائكة الرحمة والوحي جبرائيل تمهد روحه الطاهرة لتذهب إلى بارئها .. تاركاً جسده الطاهر بين يد علي وفاطمة الزهراء وهي تنوح قائلة: "من بعدك يا أبتي لا معنى للحياة..."

: تحرير /فاطمة الحسيني