image


روي عن رَسُول الله صلى الله عليه وآله:

«مَا أكْرَمَ شَابٌّ شَيْخاً لِسِنِّهِ إلاَّ قَيَّضَ الله لَهُ عِنْدَ كبر سِنِّه من يُكْرِمُهُ». [1]

إن التقدّم في السن سُنّة من سنن الحياة والطبيعة التي لا مفر منها، حيث يتعرض لها الفقير والغني، المسؤول والسلطان والملك والوزير والأمير والرئيس والفلاح والمعلم والرجل والمرأة، قال تعالى: [وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ]. [2]

يقول المفسرون: «وَاَللّٰهُ خَلَقَكُمْ‌» أي أوجدكم و أنعم عليكم بضروب النعم الدينية و الدنيوية «ثُمَّ يَتَوَفّٰاكُمْ‌» و يقبضكم أي يميتكم «وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلىٰ أَرْذَلِ اَلْعُمُرِ» أي أدون العمر و أوضعه أي يبقيه حتى يصير إلى حال الهرم و الخرف فيظهر النقصان في جوارحه و حواسه و عقله.[3]

لِكَيْ لاٰ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً : أي الإنسان إذا أمدّ الله في عمره وصار كبيرا (سيصل إلى حال شبيهة بحال الطّفوليّة في النّسيان و سوء الفهم). [4]

« إِنَّ اَللّٰهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ» يقول السيد الطباطبائي (ره): وهذا آية أن حياتكم و موتكم و كذا شعوركم و علمكم ليست بأيديكم و إلا اخترتم البقاء على الوفاة و العلم على عدمه بل ذلك على ما له من عجيب النظام منته إلى علمه و قدرته تعالى. [5]

بعبارة أخرى: إن الرد إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ يعني كبر السن، يعني ثقل الهمة، توارد الأمراض، ذهاب القوة، ورود الوهن، ضعف الحواس ..

وعندما نأتي للواقع الذي نعيش فيه نجد (أن ابن آدم الذي هو زينة الحياة الدنيا وجمالها، وبها جعله الله تعالى خليفة له، وبه أصبحت الارض عامرة والسماء زاهرة. غير أنه إذا بلغ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا وذهب رونقه ويبست نضارته، قلّ سعره وزهد فيه طالبه، وأصبح عبئا على أهله بعد أن كان معيلهم، وهجره أقرباؤه بعد أن كان مؤنسهم، وكثرت الشكاية من أهله بعد أن كان ظلهم، فأصبح بعد أن كان صوته أمانا في البيت يتململ الأقرباء من سماعه، وأصبح من أفنى عمره في إيجاد الراحة لأهله لا يجد منهم من يملك وقتا لمجالسته، أنساهم الزمان حسناته وهي بين أعينهم وأمسوا يشكونه عند كل قريب وبعيد.

ولنا أن نتساءل:

ما هو موقف الشريعة الإسلامية من كبار السن؟

ولماذا أوصت الشريعة الإسلامية بأن نوقّر ونحترم كبير السن، وذو الشبية؟

كيف يشعر المسن حين يبلغ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا؟

وكيف نفسر نفسيا الانعكاسات الشعورية لدى المسنين؟

وما هو تكليفنا تجاه كبير السن؟) [6]

كل هذه الأسئلة وغيرها سنجيب عليها في مباحث المحاضرة.

المبحث الأول: وما جزاء الإحسان إلا الإحسان

المسنون هم آباؤنا وأمهاتنا وإخواننا وأخواتنا وأعمامنا وعماتنا وأخوالنا وخالاتنا وأجدادنا وجداتنا… هم كانوا أساتذتنا ومعلمينا، هم مشايخنا ومراجعنا، هم أطباؤنا ومهندسونا ..إلخ

كل واحد من هؤلاء له فضل علينا.. فهم الذين ربّونا وعلّمونا وأكسبونا خبراتهم وعصارة تجاربهم وسهروا علينا الليالي والأيام من أجل إسعادنا، وفرحوا لفرحنا وحزنوا لحزننا، وبذلوا الجهود والوقت لخدمتنا ورعايتنا… هم من عبَّدوا لنا الطريق، وأناروا لنا الدرب لنمشي فيه، وما زالت بصماتهم واضحة ترنو على جبين هذا الوطن الغالي…

يحكى أن أحد الملوك أعلن في الدولة، بأن من يقول كلمة طيبة، فله جائزة 400 دينار، وفي يوم كان الملك يسير بحاشيته في المدينة، إذ رأى فلاحاً عجوزاً في التسعينات من عمره وهو يغرس شجرة زيتون. فقال له الملك: لماذا تغرس شجرة الزيتون، وهي تحتاج إلى عشرين سنة لتثمر، وأنت عجوز في التسعين من عمرك، وقد دنا أجلك؟، فقال الفلاح العجوز: السابقون زرعوا ونحن حصدنا ونحن نزرع لكي يحصد اللاحقون. فقال الملك: أحسنت ومنحه المكافأة على عبارة (زرعوا فحصدنا، ونزرع فيحصدون).

باختصار: هم أحسنوا إلينا، فوجب علينا عقلا أن نُحسن إليهم، قال تعالى: هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ . [7]، بل حتى لو لم يحسنوا إلينا، فالعقل يحكم بوجوب الإحسان إليهم لكبر سنهم وضعفهم، كما يحنّ أحدنا على الأطفال، ولذا نرى في بلاد الكفر أن من قوانينهم تقديم الرعاية لكبار السن من تأمين المسكن والمأكل والمشرب والعلاج، وإرسال أشخاص يرعونهم في بيوتهم، أو يخرجونهم للتنزه والترويح عن النفس.

وعندما نأتي لقوانين الإسلام نجدها تأمر بكل ذلك، بل تزيد عليهم أمورا أخرى لا تقتصر على الجانب المادي فقط، بل على الجانب المعنوي أيضا-كما سنذكره لاحقا-، وتحث على احتضان كبير السن بأن يعيش وسط عائلته وأولاده.

السؤال المطروح: هل أحسنّا إلى كبار السن؟

الجواب: سابقا عندما يرى الشباب شخصا كبيرا يتعاملون معه باحترام وتقدير وتبجيل.. يقدّمونه ولا يتقدمون عليه، ولما يتكلم يستمعون له، ولا يقاطعونه، ولا ينظر للهاتف لما يكلمه الكبير، ويسألونه إذا كان بحاجة لمساعدة، ويتفقدونه وقت غيابه، وإذا غضب وانتقدهم لا يجادلونه، بل كانت صدورهم واسعة لأن يعدون وجود كبير السن بينهم مجلبةً للخير والبركة، لدرجة أن بعضهم كان يستقبلهم بتقبيل يديه أو جبينه.

ولكن في السنوات الأخيرة -مع الأسف الشديد-صرنا نجد بعض الحالات التي تنذرنا بأن هذه القيمة الأخلاقية بدأت في الانحسار في بعض أوساط مجتمعانا …

حيث أصبح بعض شباب اليوم ينظر إلى كبير السن نظرة استصغار وتحقير، ويشعر بأن كبير السن صار عالة وعبأ على المجتمع؛ لأنه يحتاج رعاية وسعة صدر ونوع من التفرغ، وهذه الأمور تحتاج إلى شباب يتصف بالإنسانية والرحمة والنشاط والهمة والغيرة والحميّة. في حين أن بعض شباب اليوم فقدوا مثل هذه الصفات واستبدلوها بالقسوة والكسل وفقدان الغيرة والحمية.

لذا لَوِ اطَّلَعْنا عَلَى بعض الحالات لَوَلَّيْنا مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْنا مِنْهُمْ رُعْبًا، مثال ذلك لما يصعد كبير السن في حافلة أو قطار مزدحم بالركاب، فلا يرأف بحالة شاب ليقوم ويعطيه مكانه. وهذه الحالة تتكرر كثيرا في المجالس الحسينية، حيث تجلس الشابات على الكراسي وحينما ينظرن لامرأة كبيرة في السن محتارة في وسط المجلس، لا تتمكن من الجلوس على الأرض بسبب عمرها ووضعها الصحي، فلا يحركن ساكناً.. وحينما يُطلب من إحداهن أن تمنح مقعدها لها، ترفض وتقول: (أنا أتيت قبلها، فلماذا لم تأتِ بوقت مبكر؟!)

وعندما نخرج للأسواق نرى فقيرا كبيرا في السن يحمل أكياسا ثقيلة، يزحف بها بخطوات متثاقلة، فلا يرأف به فتى ولا شاب ليحملها عنه.

ولما يرى بعضنا كبيرا في السن واقفا في طابور طويل، وصحته متعبه، فلا يحنّ عليه ليقدمه أمامه. أو نعلم أن هناك عجوزا فقيرة عاجزة عن العمل، فلا نرحمها ولا نتفقد أحوالها، بل هناك حالات يسيء الآخرون إليهم، كالزوجة التي تنزعج من سقوط الطعام من فم الكبير الذي يسكن معها، فتُسمعه كلمات بذيئة، ولما يمرض لا يعالجوه، ولا يهتمون بنوع طعامه ولا بثيابه ولا باحتياجاته المادية والمعنوية.

(فكم هو مؤلم ومحزن ومجحف أن تطفو “الأنانية والنرجسية ” وسيطرة نمط الحياة المادية في علاقاتنا مع كبار السن وبالأخص مع أعز مخلوقاتنا وهم “الآباء والأمهات” وأن يتخلى الابن عن والديه ويضجر منهما، لدرجة إقدامه على عزلهما في دور رعاية المسنين أو بيوت العجزة، أو يقوم ببناء غرفة صغير ة لأحد والديه على سطح منزله كي يقضي ما تبقى له من العمر في تلك الغرفة …. ونتخذ بحق كبارنا عقوبة الهجر والعزل عن الجو الأسـري… وننفذ فيهم حكم الإعـدام ببطء .. تهربًا من صحبته وهو في خريـف العمر وفي أشد ما يكون إلى مؤانسة الأبناء والأحفاد ليخففوا عنه شيخوخته.

لذا انتشرت هذه الأيام دور المسنين بشكل ملحوظ وكثرت حالات التخلص من الخير والبركة من الآباء والأمهات…. مما ترك جروحا عميقة لم تندمل في نفوس بعض الآباء والأمهات.

لقد أصبح الكبير اليوم غريبًا حتى بين أهلِه وأولاده .. ثقيلاً حتى على أقربائه وأحفاده… تربطنا به زيارات موسمية …. ومشاعر وقتية ….فهل هذه مكافأة نهاية المشــوار …… نهاية التضحية ؟؟)[8]

المبحث الثاني: حقوق كبار السن في الشريعة

لقد نظمت الشريعة الإسلامية العلاقات الاجتماعية ما بين الناس، عن طريق تشريع حقوق اجتماعية متعددة، كحقوق الوالدين، والأبناء، والأقارب، والزوجين، والجار، والصديق، والمعلم والمتعلم، والصغير والكبير، والذي يهمنا هو الوقوف على (حق الكبير)

إن الشريعة الإسلامية أمرتنا بتَوْقِيرُ كبير السن، وذي الشيبة.

وحتى نفهم هذه العبارة لنقف على مفردات هذا الحق، وهي كالآتي:

ما المقصود بــــ(كبير السن)؟

الجواب: نقصد بكبير السن: الإنسان الكبير في السن سواءً كان هذا الكبير أباً أو أما، أو قريباً، أو جاراً، أو أجنبياً، رجلاً أو امرأة، مسلماً أو كافراً.

وقصة الإمام (عليه السلام) مع النصراني المكفوف مما يؤيد شمول ذلك لغير المسلمين أيضاً: حيث كان الإمام (عليه السلام) في شوارع الكوفة.. فمر بشخص يتكفف وهو شيخ كبير السن، فوقف (عليه السلام) متعجباً وقال (عليه الصلاة والسلام): ما هذا؟ ولم يقل من هذا، و(ما) لما لا يعقل، و(من) لمن يعقل، أي أنه (عليه السلام) رأى شيئاً عجيباً يستحق أن يتعجب منه، فقال أي شيء هذا

قالوا: يا أمير المؤمنين إنه نصراني قد كبر وعجز ويتكفّف.

فقال الإمام (عليه السلام): ما أنصفتموه.. استعملتموه حتى إذا كبر وعجز تركتموه، أجروا له من بيت المال راتباً. [9]

مع ملاحظة أن لا يترتب على توقير الكبير ودعمه تشجيعه على ارتكاب المحرمات.

ما المقصود بــــــ(ذي الشيبة)؟

ذو الشيبة يعني بياض الشعر، تعبيرًا عن الشَّيخوخة وكبر السن.

ما المقصود بـــ(التوقير)؟

الجواب: التوقير بمعنى تَعْظِيمُهُ، وتبْجِيلُهُ، واِحْتِرَامُهُ، والرفق به، والسعي في خدمته، والإعراض عما صدر عنه لسوء خلقه لكبر سنه وضعف قوته.

ونهتنا الشريعة عن الاستخفاف به، وأذيته وظلمه وخذلانه. فرغم أن هذه العناوين منهي عنها مع كل المراحل العمرية، ولكن يشتد التأكيد عند كبر سن الإنسان ودخوله في مرحلة الشيخوخة.

ولما نتصفح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين عليه السلام، نجده يفصّل في بيان هذا الحق قائلاً: وَأمّا حَقُّ الكبيرِ فَإنَّ حَقَّهُ تَوقِيرُ سِنِّهِ وَإجْلالِ إسْلامِهِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضلِ فِي الإسْلامِ بتَقْدِيمِهِ فِيهِ وتَرْكِ مُقَابَلَتِهِ عِنْدَ الْخِصَــــــــــامِ ولا تَسْبقْهُ إلَى طَرِيقٍ، ولا تَؤُمَّهُ فِي طـرِيقٍ ولا تَسْـــــــتَجْهِلْهُ. وَإنْ جَهِلَ عَلَيْكَ تحَمَّلْتَ وَأَكْرَمتَهُ بحَقِّ إسْلامِهِ مَعَ سِنِّهِ فَإنّمَـــــــا حَقُّ السِّنِّ بقَدْرِ الإسْلامِ. ولا قُوَّةَ إلا باللهِ.

( إن الإمام عليه السلام يوصي بجملة من الوصايا الأخلاقية التي تركز على بعض الممارسات السلوكية والآداب الاجتماعية المهمة في التعامل مع الكبير. وهي:

 أولا: ترك محاججته ومجادلته ومواجهته، فالكبير غالبا ما يصر على رأيه، ويصعب تغيير قناعاته، لذا لا بد من مداراته ومسايرته احتراما لشيبته، خصوصا في الأمور التي لا تقع في دائرة الحق والباطل، وإنما في مساحة الاختلافات المسموحة.

 ثانيا: عدم تجاوزه أو التقدم أمامه في الطريق. ويمكن بالطبع استئذانه لذلك عند الضرورة.

 ثالثا: عدم استجهاله، والمقصود بالاستجهال هو الاستخفاف به أو اعتباره جاهلا مما يشكل إهانة لكرامته وأذى نفسيا له. وهذا ما قد يفعله بعضهم بمجرد امتلاكه شيئا من العلوم التي لا يكون الكبير ملما بها مثلا. فالمطلوب التواضع في كل الأحوال، وإعطاء الكبير الاعتبار المعنوي المناسب.

رابعا: تحمله واستيعاب ما يصدر منه من زلل، بل عليك أن تذهب إلى أبعد من ذلك بمقابلة جهله بالإكرام تعظيما لحق سنه مع إسلامه.

كم نحن بحاجة ماسة لمراجعة هذه النصوص لخلق لغة تفاهمية رصينة بين الأجيال التي توقر الكبير وترحم الصغير. [10]

السؤال الذي ينبغي طرحه هو: ما هي الآثار الدنيوية والأخروية العظيمة المترتبة على توقير كبير السن؟

الجواب: الآثار عديدة، ونذكرها في النقاط الآتية:

1.يقابل إحسانه بالإحسان بأن يُكرم عند كبر سنه، فقد روي عن رَسُول الله ـص : «مَا أكْرَمَ شَابٌّ شَيْخاً لِسِنِّهِ إلاَّ قَيَّضَ الله لَهُ عِنْدَ كبر سِنِّه من يُكْرِمُهُ » .[11]

إنّ الجزاء من جنس العمل، وهذه قاعدةٌ عامّةٌ في كثيرٍ من الأمور، روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): ” كما تدين تدان. [12]

وبالأخص حينما يكون كبير السن هو الأب أو الأم، بمعنى إذا بر والديه فسوف يبره أولاده، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” بروا آباءكم تبركم أبناؤكم “.[13]

ولكن الذي يستخف بكبير السن، كمن يعق والديه فسوف يعاقبه الله تعالى بأن يسلط عليه من يستخف به قبل موته كأن يكونوا أولاده، روي عن الإمام الصادق عليه السلام: ومن استخف بمؤمن ذي شيبة أرسل الله إليه من يستخف به قبل موته. [14]

قد يرد هذا السؤال: أنا بارةً بوالديَّ، وقد اعتنيت بهم إلى أن ماتوا وهم راضون عني، ولكن لديَّ ولد عاق لم يبرني، فلماذا لم تنطبق عليّ قاعدة (كما تدين تدان)؟

الجواب: القاعدة تنطبق على الأغلبية، ولكن لكل قاعدة استثناء، فمن الممكن أن يكون الأب طائعاً لوالدَيه، ومع ذلك يعقّه أبناؤه؛ إمّا بسبب عدم التربية الحسنة الصحيحة لهم، وربّما بسبب معاصٍ يرتكبها الأب أو الأم، فيكون جزاء ذلك العقوق، وقد لا يكون من ذلك شيئاً، وإنّما ابتلاءٌ من الله -تعالى- واختبارٌ لصبر الأب أو الأم وثباتهما، والمسلم مأمورٌ بطاعة والدَيه، سواءٌ كانا عاقَّين بوالدَيهما أم لا، ومأمورٌ بحُسن معاملتهما ولو كانا غير مسلمَيْن.[15]

2.وجود كبير السن فيه البركة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله: البركة مع أكابركم، وقال عليه السلام: الشيخ في أهله كالنبي في أمته. [16]

3.الأمان من الفزع الأكبر يوم القيامة: روي عن رسول الله الأكرم (صلى الله عليه وآله): (من وقّر ذا شيبة في الإسلام آمنه الله عزَّ وجلَّ من فزع يوم القيامة) [17]

إن مواقف يوم القيامة شديدة، تدخل الخوف والفزع في قلوب الناس، فقد روي عن أبي جعفر (ع) قال:‏ إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد واحد وهم حفاة عراة, فيوقفون في المحشر حتى يعرقوا عرقا شديدا وتشتد أنفاسهم, فيمكثون في ذلك خمسين عاما وهو قول الله: { وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَٰنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا }. [18]

فلذا نحن بأمس الحاجة في ذلك اليوم إلى رحمة الله، ومن الأعمال التي تؤمن فزعنا هو توقير كبار السن، بينما الذي يفزع كبير السن في الدنيا فسوف يفزعه الله في الآخرة.

4.يكن من رفقاء رسول الله ص في الجنة، فقد روي عن أنس قال: أوصاني رسول الله بخمس خصال فقال فيه: ووقر الكبير تكن من رفقائي يوم القيامة. [19]

5.إن إجلال كبار السنّ، إجلال وتعظيم لله تعالى، فقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم.[20]

بيان: معنى إجلال ذي الشيبة أي تعظيمه وتوقيره واحترامه، والإعراض عما صدر عنه من سوء خلق، لكبر سنه وضعف قوته لا سيما إذا كان أكثر تجربة وعلما وأكيس حزما وأقدم إيمانا وأحسن عبادة.

وهذا التعظيم لكبير السن يعدّ تعظيما لله لأن تعظيم أوامره سبحانه تعظيم له تعالى. [21]

6. إن إكرام ذي الشيبة هو إكرام لله تعالى: روي عن أبي عبد الله (عليه السلام): (من إجلال الله عزَّ وجلَّ إجلال المؤمن ذي الشيبة، ومن أكرم مؤمناً فبكرامة الله بدأ) .[22]

7. عن رسول الله صلى الله عليه وآله: من عرف فضل شيخ كبير فوقره لسنه آمنه الله من فزع يوم القيامة، وقال: من تعظيم الله عز وجل، إجلال ذي الشيبة المؤمن. [23]

بينما الذي لا يوقر كبير السن ويستخف به، فسوف يخسر الآثار التي ذكرناها بالإضافة إلى أنه سيعد مخالفا لنهج الرسول وآله، روي عن أبي عبد الله عليه السلام: ليس منا من لم يرحم صغيرنا ولم يوقر كبيرنا [24]. أي: ليس على طَريقَتِنا وهَدْيِنا وسُنَّتِنا، من لم يوقر الكبير.

ومعلوم من يفعل ذلك فسينال بغض محمد وآله، فقد روي عن الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، أنه قال: ألا وإن أبغض الناس إلى الله عز وجل من يقتدي بسنة إمام ولا يقتدي بأعماله. [25]

وأيضاً أن من يجهل حقّ كبار السن يعدّ منافقاً، ففي الحديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: (ثلاثة لا يجهل حقّهم إلّا منافق معروف بالنفاق: ذو الشيبة في الإسلام، وحامل القرآن، والإمام العادل) .[26]

المبحث الثالث: المرتكزات النفسية لدى المسن

هنالك عدة مرتكزات تمثل البنية الأساسية للشعور النفسي لدى كبير السن يمكن إجمالها في النقاط الآتية:

1. يرى كبير السن أن دوره في الحياة يتقلص شيئا فشيئا نتيجة لعجزة البنيوي وكذلك لضعف حواسه بشكل عام، مما ينعكس فعليا على ردود أفعاله المباشرة وغير المباشرة.

 2. الوحدة من المرتكزات الأساسية التي تساهم في تغير المزاج والتصور العام لدى المسن وانطوائه، مما حدى ببعض الدراسات الى عد الشريك بالنسبة الى المسن من أساسيات رفع مستوى النشاط النفسي والرغبة في الانسجام حتى إذا كانت الرغبة الجنسية منتفية، غير أن القرب الفيزيائي بين جسم المسن وجسم شريكه يساعد في عملية الاستقرار النفسي. 

3. بسبب ضعف حواس المسن وبطء حركته يضعف التواصل بينه وبين محيطه مما يخلق فيه شعور أنه غير مرغوب به، أو أنه أمسى يشكل ثقلا على عائلته.

4. لدى المسن يقين أنه وصل إلى أواخر العمر، والمرحلة التي تلي لابد أنها مرحلة الموت. هذا الشعور كثيرا ما يؤرق المسن ويخلق في نفسه الشرود والحرص الشديد على نفسه، مما يجعل عملية التفاهم معه أكثر تعقيدا.

5. بسبب الطبيعة العامة للمجتمع في الانشغال في الأعمال اليومية يبقى المسن مدة طويلة كل يوم في بيته وحيدا ليس برفقته أحد بسب انشغال الأبناء والعائلة بأعمالهم اليومية الاعتيادية، مما يخلق في نفس المسن رغبة جذب انتباههم من خلال الادعاءات المختلفة التي يحاول بها خلق محيط أقرب وتفاعل أكثر معه، كأن يدعي المرض، أو الإساءة من أحد، أو فقدان شيء، لذا ينبغي أن ينتبه الأهل لذلك ليهتموا به.

6. لا بد من الأخذ بعين الاعتبار أن المسن كل وقته فراغ لا يستطيع استغلاله بوسائل ملء الفراغ كالقراءة أو الرياضة أو النزهة، وذلك بسب ضعف أجهزته الحسية والعضلية ما يدفعه الى التعلق بذكريات عمره ومراجعتها كل يوم ليستأنس بها.

 غير أن التعلّق بالذكريات، له أثر كبير على المسن يتمثل في النقاط الآتية:


أولاً: إن بعض تلك الذكريات التي تمر على المسن تجعله يندم كثيرا على عدم استغلالها أو صدورها منه في أيام حياته أو ندمه بأنه لم يستثمرها بشكل جيد مما يؤزم حالته النفسية ويدفعه للاكتئاب والانطواء.

 ثانياً: إن بعض تلك الذكريات كانت من أجمل أيام العمر لدى المسن، مثلاً (كون المسن قائدا أو شاعرا أو محط أنظار أقرانه في أي مجال) مما يخلق الأسف والندم الشديد في نفسية المسن أنه أمسى بهذا العجز بعد أن كان بتلك القوة والإبداع والنشاط، وهذا أيضا يدفع بحالة المسن النفسية إلى العصبية وعدم الرضا عن الاخرين.

ثالثاً: إن بعض تلك الذكريات كانت دافئة، اجتمع فيها الأحبة في جو يملأه الأمان والسعادة، غير أن السنين لم تترك من أولئك من هو موجود فعلا، أيضا هذا الشعور يدفع المسن الى كره الواقع المعاش ورغبته بالموت.

رابعاً: هنالك أخطاء كبيرة، ارتكبها المسن في حياته (كتزويج ابنه او ابنته لشخص ليس بكفؤ) فعندما تمر هذه الذكريات، يتمنى المسن لو أنه لم يفعل ذلك ويعيش بشعور بغضه لنفسه وندمه على فعله، وهذا أيضا ينعكس على سلوك المسن الظاهري.

وبسبب قلة نشاط المسن وخمول الجسم لديه فان هناك الآم في مناطق كثيرة تنتاب المسن مما يجعل توهمه للأمراض كبيرا، فبمجرد سماعه بأي مرض فأنه يحاكي أعراض ذلك المرض مقتنعا بأنه أصيب به، وهذا العامل أيضا يعد من عوامل تغير نفسية المسن.

إن اللحظة التي يشعر بها المسن بالسعادة هي اللحظة التي يكون فيها المسن، متحدثا الى من يسمعه عن حياته السابقة، وكيف أنجز عمله في سنين عمره، هذه السعادة سببها شعور المسن أنه لا يزال مؤثرا في مجتمعه وأنه لا يزال يملك القيمة في محيطه. [27]

المبحث الرابع: طرائق التعامل مع كبار السن وكيفية تطبيقها

توجد عدة طرائق يساعد اتباعها على تسهيل التعامل مع المسنين، نذكر منها النقاط الآتية:

1. التعامل معهم بالرحمة والصبر والاحترام: فمن السهل أن يفقد الإنسان صبره عند التعامل معهم وخاصةً إن لم يكُن المسن متقبِّلاً للمساعدة من أحد، وقد يجد الإنسان صعوبة في مساعدة الشخص المريض، لكن يجب أن يتحلَّى بالصبر ويكون رحيماً به قدر الإمكان.

2. سؤال المسنين عن احتياجاته بشكل دائم: فلا يجب أن يفرض أحد على المسنين، تطبيق نظام معيَّن في حياتهم؛ بل يجب أن يسألهم عمَّا يفضلون؛ كي يشعر المسن بأهمية رغباته، وإن كان من المفترض عليه، اتباع نظام صحي معيَّن؛ نيجة حالة صحية يمر بها، فيجب أن يُشرح الأمر له بشكل يسهل عليه فهمه كي يكون متعاوناً قدر الإمكان.

3. توجيه الأسئلة إليهم: فمن الأفضل ألَّا يفعل أحد شيئاً بالنيابة عنهم قبل التأكُّد من أنَّ المسن يريد مَن ينوب عنه في هذا العمل كي لا يشعر أنَّه عاجز ولا فائدة من وجوده؛ فينعكس ذلك سلباً على حالته النفسية.

4. استخدام كلمة (نحن) بدلاً من (أنت) في أثناء توجيه التعليمات إلى المسنين: فغالباً لا يشعر المسن بالراحة عند توجيه التعليمات إليه؛ لذلك بدلاً من أن تقول له: “عليك تناول الطعام الآن” يُفضَّل أن تقول: “علينا أن نتناول طعامنا الآن”، أو مثلاً بدلاً من قولك: “عليك الخروج لاستنشاق هواء نظيف” يُفضَّل أن تقول له: “علينا الخروج لاستنشاق الهواء النظيف”؛ إذ أثبتت الدراسات أنَّ معظم كبار السن لا يستجيبون إلى الأوامر التي تُطلب منهم إذا شعروا بالإلزام والتسلُّط من أحد.

5. ضرورة الاهتمام بسلامتهم: إذ نتيجة للعمر الذي توصَّل إليه المسن والحالة الصحية التي يعيشها لا يمكنه التحرك بسهولة كالشباب، وحتى في بعض الأحيان يصعب عليه النهوض من مكانه؛ لذلك يجب مراعاتهم وترتيب المنزل بالطريقة التي تضمن تحركهم بسلامة.

على سبيل المثال، يجب الحرص على وجود حمايات على جوانب الأدراج وعلى شرفات المنازل ليستندوا إليها فتمنع سقوطهم، بالإضافة إلى وجود الإنارة القوية في الممرات خلال الليل، وأيضاً من الممكن وضع جرس إنذار في غرفة المسن ليستخدمه في حال أراد شيئاً ولا يوجد أحد إلى جانبه في غرفته.

6. ضرورة الاهتمام بتغذيتهم جيداً: لأنَّ الغذاء الصحي المتكامل جزء من أي علاج لجميع الناس وبمختلف المراحل العمرية وضروري لتفادي الكثير من الأمراض؛ لذلك لا بدَّ من مراجعة اختصاصي تغذية ليحدد الغذاء الذي يجب تقديمه لكبير السن، فمثلاً قد يمنعه عن تناول الحلويات أو الإكثار من الملح نتيجة لحالة صحية معينة يعاني منها.

7. يجب الاستماع لحديثهم دون تذمُّر: فغالباً يصاب المسن بالنسيان فيُعيد الحديث عدة مرات دون الانتباه إلى ذلك، وقد يقاطع حديثك ليتحدَّث عن أمر بعيد عمَّا كنت تقول؛ لذلك عليك الصبر وعدم التذمر والضجر؛ بل إعطاؤه فرصة للفضفضة والحديث عما يريد، ومن الأفضل أن تنظر إليه وهو يحدثك كي يشعر بأهميته ولا يشعر بأنَّك مجبر على الاستماع له.

8. عند التحدُّث إلى مسن يجب عليك مراعاة أن يكون الصوت واضحاً ومفهوماً واللغة سليمة وسلسلة: إذ يجب عدم استخدام مفردات غريبة أو غير مفهومة بالنسبة إليه.

9. مساعدته على التعرُّف إلى مشكلاته التي يعاني منها: فقد لا يكون المسن كثير الكلام بطبعه ولا يشكو من شيء يعاني منه بسهولة؛ لذلك تحدَّث إليه وتقرَّب منه وأَجِب عن أسئلته وحاول أن تعرف مما يعاني لتساعده على إيجاد الحلول المناسبة.

10. تنفيذ طلباتهم دون تذمُّر: حتى إن كثرت طلبات المسن لا يجب الضجر منه؛ بل يفضَّل أن تقضي طلباته في نفس وقت الطلب كي لا يشعر بالغضب وتسوء حالته النفسية ومن ثم تسوء حالته الصحية غالباً

11. مشاركتهم ببعض الأنشطة البسيطة: لأنَّ التواصل مع كبار السن من أفضل ما يمكن تقديمه لهم، فهم بحاجة ماسة إلى عدم الشعور بالوحدة والحزن؛ لذلك من الممكن اقتراح بعض الأنشطة للقيام بها معاً في المنزل أو خارجه بحسب حالته الصحية مثل زيارة أحد المعصومين أو الأقارب، أو مشاهدة فيلم أو القيام ببعض التمارين الرياضية أو مشاركتهم الطهي.

12. عدم انتظار الشكر من المسن: فقد لا تساعده ذاكرته على تذكُّر ما تبذله من جهد في سبيل راحته، وقد لا يستطيع تمييز جهودك عن جهود غيرك فيتهمك بالإهمال مثلاً؛ لذلك لا تغضب من ذلك وتتراجع عن تلبية حاجاته، فإنَّه لا يدرك غالباً ما يحدث حوله.

13. عدم مناقشتهم في موضوع عجزوا عن تذكُّره سواء حدث من فترة قريبة أم بعيدة: لأنَّ هذا الأمر يسبب لهم التوتر والحزن والإحساس بالعجز.

14. الابتعاد عن لوم المسن أو توجيه الكلام القاسي له مهما كانت حالتك النفسية سيِّئة: ولا يجب أن تسخر منه إن لم يستطع استخدام الأجهزة الإلكترونية الحديثة؛ لأنَّ هذا الأمر يسبب لهم الإحراج الكبير.

15. مراعاة قضية العاطفة والأحاسيس: التي تُثار فجأة دون وجود مبرر؛ لذلك لا تسخر من مشاعرهم؛ بل عليك تقدير ذلك وتفهُّمه.

16. استشارتهم والأخذ برأيهم في بعض الأمور التي تتعلق بحياتك: وذلك لأنَّ الأهل حتى إن كانوا مسنين فإنَّهم يرغبون في أن يشعروا بأهميتهم وأهمية وجهة نظرهم في الحياة.

17. إن كان المسن يعاني من الخرف أو الزهايمر: فهنا تزداد المسؤوليات ويجب الحذر أكثر؛ ففي هذه الحالة يبدأ المسن بنسيان الكلمات والأسماء والمعلومات الجديدة وينسى القيام بإدارة الأنشطة المعقدة كقيادة السيارة مثلاً ومن ثم يتطور الأمر وتتأثر الوظائف الحسية والجسدية، وقد ينتهي الأمر بفقدان شديد للذاكرة ومحدودية الحركة أو انعدامها مع مشكلة في التحكم بالأمعاء أو المثانة؛ لذلك لا بدَّ من معاملته بطريقة تحد من التحديات. [28]

هذه هي أغلب النقاط التي ينبغي على المكلف أن يراعيها مع كبير السن، والتي يترتب عليها نيل كل الآثار العظيمة المترتبة على توقيره لكبير السن، وينبغي تربية الأولاد على احترام وتوقير الكبير منذ طفولته.

ولا تنسوا أن كبار السن لهم الفضل على المجتمع وعلينا، وبالأخص إذا كانوا من الأرحام كأن يكون أباً أو أماً أو كل من كان له دور في رعايتنا وتربيتنا كأن يكون خالاً أو عماً، فهؤلاء لهم الأولوية في التوقير… ولنا في صاحب الذكرى (أبي طالب) عمّ النبي محمد صلى الله عليه وآله، أسوة حسنة الذي تكفّل بعد وفاة أبيه عبد المطلب رعاية النبي محمد صلى الله عليه وآله، فكفّله صغيراً، وحماه كبيراً، ومنعه من مشركي قريش.

كان عليه السلام يُحبّ النبي صلى الله عليه وآله حبّاً شديداً، وفي بعض الأحيان إذا رآه كان يبكي ويقول: «إذا رأيته ذكرت أخي» [29]، وكان عبد الله أخاه لأبويه.

ولمّا بُعث النبي محمّد صلى الله عليه وآله إلى البشرية مبشّراً ومنذراً، صدّقه أبو طالب وآمن بما جاء به من عند الله، ولكنّه لم يُظهر إيمانه تمام الإظهار، بل كتمه ليتمكّن من القيام بنصرة رسول الله صلى الله عليه وآله ومَن أسلم معه.

ولكن إيمان أبي طالب عليه السلام، من المباحث الكلامية التي اختلف فيها المسلمون، فلقد أجمع علماء مذهب الشيعة على إسلامه بل إيمانه، وإجماعهم هذا حجّة، وقد وافقهم على إسلامه (رضوان الله عليه) من علماء السنّة جماعة، لكن عامّهم ذهبوا إلى القول بانّه مات كافراً.

إن سبب أصرار المخالفين على تكفير أبي طالب عليه السلام، هو (لأنه والد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وزوج ابنة الرسول صلى الله عليه وآله ، وأبو سبطيه ، قاتل الكفرة الفجرة ، الذي كان باب مدينة علم النبي صلّى الله عليه وآله ، وكان الولي ، والوصي صلوات الله وسلامه عليه وعلى أبيه ، وعلى الأئمّة الأطهار من بنيه.

فكان لابدّ ـ بنظرهم ـ من نسبة كلّ عظيمة إليه، وإلى أبيه أبي طالب (عليه السلام)، ووضع الأحاديث المكذوبة في حقّهما، وتزوير تاريخهما، ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً)[30]

إن الأدلّة على إيمانه عليه السلام عديدة، نختصرها بالأدلة الآتية:

1.قال الشيخ المفيد (قدس سره): «إتّفقت الإمامية على أنّ آباء رسول الله(ص) من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطّلب مؤمنون بالله عزّ وجل موحّدون له…. وأجمعوا على أنّ عمّه أبا طالب رحمه الله مات مؤمناً، وأنّ آمنة بنت وهب كانت على التوحيد، وأنّها تُحشر في جملة المؤمنين» [31]

2.قال الإمام علي(ع): «كَانَ وَاللهِ أَبُو طَالِبٍ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ مُؤْمِناً مُسْلِماً، يَكْتُمُ إِيمَانَهُ مَخَافَةً عَلَى بَنِي هَاشِمٍ أَنْ تُنَابِذَهَا قُرَيْش‏»[32]

3.قال أبو بصير ليث المرادي: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ(ع): سَيِّدِي إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ إِنَّ أَبَا طَالِبٍ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ! فَقَالَ(ع): كَذَبُوا وَاللهِ إِنَّ إِيمَانَ أَبِي طَالِبٍ لَوْ وُضِعَ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ وَإِيمَانَ هَذَا الخَلْقِ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ لَرَجَحَ إِيمَانُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى إِيمَانِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: كَانَ وَاللهِ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَأْمُرُ أَنْ يُحَجَّ عَنْ أَبِي النَّبِيِّ وَأُمِّهِ وَعَنْ أَبِي طَالِبٍ حَيَاتَهُ، وَلَقَدْ أَوْصَى فِي وَصِيَّتِهِ بِالحَجِّ عَنْهُمْ بَعْدَ مَمَاتِه‏» [33]

4.عن يونس بن نباتة، عن الإمام الصادق(ع) أنّه قال: «يَا يُونُسُ، مَا يَقُولُ النَّاسُ فِي إِيمَانِ أَبِي طَالِبٍ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ، يَقُولُونَ: هُوَ فِي ضَحْضَاحٍ مِنْ نَارٍ يَغْلِي مِنْهَا أُمُّ رَأْسِهِ. فَقَالَ: كَذَبَ أَعْدَاءُ اللهِ، إِنَّ أَبَا طَالِبٍ مِنْ رُفَقَاءِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً» [34]

5.قال الإمام الصادق(ع): «إِنَّ مَثَلَ أَبِي طَالِبٍ مَثَلُ أَصْحَابِ الْكَهْفِ أَسَرُّوا الْإِيمَانَ وَأَظْهَرُوا الشِّرْكَ، فَآتَاهُمُ اللهُ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ» [35]

وأما فيما يتعلق بوفاته عليه السلام، تذكر كتب السيرة والتاريخ أنه لمّا أدخلت قريش بني هاشم الشعب إلّا أبا لهب وأبا سفيان بن الحرث، فبقي القوم بالشعب ثلاث سنين، وكان رسول الله(ص) إذا أخذ مضجعه وعرف مكانه، جاءه أبو طالب فأنهضه عن فراشه وأضجع ابنه أمير المؤمنين(ع) مكانه.

ونتيجة لحصار المسلمين في شعب أبي طالب تُوفّي عليه السلام، في السادس والعشرين من رجب 10 للبعثة النبوية الشريفة، ودُفن في مقبرة الحَجُون. وقيل: تُوفّي في السابع من شهر رمضان 10 للبعثة النبوية الشريفة بشعب أبي طالب في مكّة المكرّمة. [36]

هلمُن معي أخواتي لننظر إلى توجّع النّبيِّ وحزنِهِ (صلى‏ الله ‏عليه‏ و‏آله) حين سمع بموت العبد الصالح أبي طالب عليه‏ السلام.

روى الشّيخ المجلسي قدس‏ سره في (البحار) فقال: لمّا مات أبو طالب أتى أمير المؤمنين عليه ‏السلام النّبيّ صلى‏ الله ‏عليه‏ و‏آله فآذنه بموته ، فتوجّع توجّعاً عظيماً ، وحزن حزناً شديداً ، ثمّ قال لأميرِ المؤمنين عليه‏ السلام: «إِمضِ يا علي فتولّ أمره ، وتولّ غسله وتحنيطه وتكفينه ، فإذا رفعته على سريره فأعلمني» ، ففعل ذلك أمير المؤمنين عليه‏ السلام فلمّا رفعه على السّرير، اعترضه النّبيّ صلى‏ الله ‏عليه‏ و‏آله فرقّ وتحزّن وقال: «وصلتَ رحماً ، وجُزِيْتَ خيراً يا عم ، فلقد ربّيْتَ وكفلْتَ صغيراً ، ونصرْتَ وآزرْتَ كبيراً».[37]

فقد اعترف النّبيّ صلى‏ الله ‏عليه‏ و‏آله لعمّه المفدّى بكفالته له صغيراً، وبنصرته له كبيراً بعد أن أعلن دعوته، فإنها كلمات تكفي عن كلّ كلام، وتوجُّعٌ وحزنٌ يكفي عن كلّ موقف، ثمّ سمّى عام رحيل أبي طالب والسّيدة خديجة عليهما السلام بـ (عام الحزن) وهو العام العاشر من بعثته المباركة، حيث فقد عمودين من أعمدة نهضته الشّريفة.

فليت شعري بماذا تسمّى العقيلة زينب عليها السلام عام الحادي والستّين (61) للهجرة؟ حيث فقدت كلّ أحبّتها، فبقيت وحيدة غريبة لا من محامٍ ولا كفيل، وكأنّي بها وجهت وجهها جهةَ أبيها أمير المؤمنين عليه ‏السلام:

نعي


بويه عليه الليل هوّد وانه حرمه وغريبه ومالي أحّد

وشيال حملي راح وابعد بيمن يبويه الگلب يضمد

بابن والدي العباس ما رد والحسين هل عندي امدّد

أبوذية


يناعي بحزن صيح ابصوت وليان يحيدر يا مطوع الإنس واليان

تره زينب بگت من غير وليان تحشم وينكم يهل الحميه

طور التخميس


     تدعو أباها أميرَ المؤمنين ألا يا والدي حكمت فينا رعايانا

وغابَ عنّا المحامي والكفيلُ فمن يَحمي حِمانا ومَن يُؤوي يتامانا

إِن‏ عسعسَ‏ الليلُ ‏وارى‏ بذلَ أوجُهِنا وإن تنفّسَ وجهُ الصّبح أبدانا

ندعو فلا أحدٌ يصبو لدعوتِنا وإِن شكونا فلا يُصغى لشكوانا

قم يا عليُّ فما هذا القعودُ وما عهدي تغضّ على الأقذاءِ أَجفانا [38]

[1] مشكاة الأنوار -علي الطبرسي -ص ٢٩٣.

[2] النحل/70.

[3] مجمع البيان في تفسير القرآن-الشيخ الطبرسي -ج 6-ص 574 .

[4] تفسير كنز الدقائق و بحر الغرائب-محمد المشهدي -ج 7 -ص 236 .

[5] الميزان في تفسير القرآن -السید الطباطبائي-ج 12 -ص294 .

[6] ننكسه في الخلق، دراسة لوضع المسن-الدكتور علي الجابري-بتصرف.

[7] الرحمن/60.

[8] عمون/ammonnews.net/ كتاب عمون/ هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ -منال القطاونـه.

[9] وسائل الشيعة-الحر العاملي-ج11 -ص49 باب19 -ح1.

[10] من كتابات الأستاذ بدر الشبيب.

[11] مشكاة الأنوار – علي الطبرسي – ص ٢٩٣.

[12] ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٢ -ص ١١٦٤.

[13] شرح رسالة الحقوق -الإمام زين العابدين (ع) – ص ٥٦٥.

[14] الكافي -الشيخ الكليني – ج ٢ – ص ٦٥٨.

[15] مجموعة من المؤلفين، فتاوى الشبكة الإسلامية-ج8-ص 1846-بتصرّف.

[16] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٧٢ – ص ١٣٧.

[17] الكافي-الشيخ الكليني-ج 2-ص 658.

[18] تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي – ج ٢ – ص ٦٤.

[19] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٧٢ – ص ١٣٧.

[20] الكافي-الكليني-ج ٢ -ص ١٦٥.

[21 بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٧٢ – ص ١٣٨-بتصرف.

[22] الكافي-الشيخ الكليني-ج 2-ص 658.

[23] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٧٢ – ص١٣٧.

[24] الكافي-الكليني-ج ٢ -ص ١٦٥.

[25] بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٧٥ – ص ١٤٨.

[26] الكافي-الشيخ الكليني- ج 2-ص 658.

[27] ننكسه في الخلق، دراسة لوضع المسن-الدكتور علي الجابري.

[28] موقع النجاح/ annajah.net/ الأسرة والمجتمع/ أساليب وطرق التعامل مع كبار السن وكيفية تطبيقها-بتصرف.

[29] شرح نهج البلاغة 14/ 64.

[30] العقائد الإسلامية/ research.rafed.net/عقائد الشيعة/ أبو طالب عليه السلام ناصر الإسلام-بقلم الشيخ مهدي المجاهد.

[31] أوائل المقالات: 45.

[32] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج 35/ 114 -ح51.

[33] المصدر السابق ح44.

[34] كنز الفوائد: 80.

[35][35] الكافي-الكليني-ج 1/ 448 ح28.

[36] موقع الشیعة/ ar.al-shia.org/ النبي وأهل بيته/ ذوو النبي وأهل بيته/حياتهم وسيرتهم/ أبو طالب بن عبد المطلب-بقلم: محمد أمين نجف.

[37] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج35 -ص125 .

[38] مجالس شهر رمضان–الليلة السابعة(مؤمن قريش أبو طالب)-ص93-95. نقلا عن موقع معهد الإمام الحسين ع/ mahad-alhassanain.com/المكتبة القصائد و الأشعار الحسينية/ المناسبات/ مجالس شهر رمضان/ المجلس السّابع لليلة السّابعة من شهر رمضان.

: مياسة شبع