image

(وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً )

  يذكر المفسرون ومنهم صاحب كتاب الأمثل: إن كلمة (فِتْنَة) استعملت في القرآن المجيد بمعانٍ مختلفة، وفي هذه الآية إن كلمة) فِتْنَةً(بمعنى البلاء والمصائب الاجتماعية التي يصاب بها الجميع فيحترق فيها الأخضر مع اليابس.

 وفي الحقيقة فشأن الحوادث الاجتماعية هو هكذا، فإذا ما توانى مجتمع ما عن أداء رسالته، وانهارت القوانين على أثر ذلك، وانعدم الأمن، فإن نار الفتنة ستحرق الأبرار مع الأشرار، وهذا هو الخطر الذي يحذّر الله تبارك وتعالى منه ويحذر في هذه الآية المجتمعات البشرية كلها.

 ومفهوم الآية هنا هو أن أفراد المجتمع مسؤولون عن أداء وظائفهم، وكذلك فهم مسؤولون عن حث الآخرين لأداء وظائفهم أيضاً، لأن الاختلاف والتشتت في قضايا المجتمع يؤدي إلى انهياره، ويتضرر بذلك الجميع، فلا يصح أن يقول أحد بأنني أؤدي رسالتي الاجتماعية ولا علاقة لي بالآثار السلبية الناجمة عن عدم أداء الآخرين لواجباتهم، لأن آثار القضايا الاجتماعية ليست فردية ولا شخصية.

 وهذا الموضوع يشبه تماماً ما لو احتجنا لصد هجوم الأعداء إلى مئة ألف مقاتل، فإذا قام خمسون ألف مقاتل بأداء وظائفهم فمن اليقين أنهم سيخسرون عند منازلتهم العدو، وهذا الانكسار سيشمل الذين أدوا وظائفهم والذين تقاعسوا عن أدائها وهذه هي خصوصية المسائل الاجتماعية.

 ويمكن إيضاح هذه الحقيقة بصورة أجلى وهي: أن الأخيار من أبناء المجتمع مسؤولون في التصدي للأشرار لأنهم لو اختاروا السكوت فسيشاركون أولئك مصيرهم عند الله كما ورد ذلك في حديث مشهور عن النبي صلى الله عليه وآلهحيث قال: « إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانهم وهم قادرون على أن ينكروا، فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة ». ([4]) . ([5])

  روي عن أبي جعفر عليه السلام قال: « أوحى الله تعالى إلى شعيب النبي عليه السلام إني معذب من قومك مائة الف أربعين ألفا من شرارهم وستين ألفا من خيارهم فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عز وجل إليه داهنوا أهل المعاصي فلم يغضبوا لغضبي ».([6])، فارتكاب المعاصي وبالأخص التجاهر بالفسق يُعدّ السكوت عنه فتنة يترتب عليها الفساد والإفساد.

 والشبهات التي يطرحها المخالفون من أجل التشكيك بالدين وبحجج الله تُعدّ من الفتن ولذا فالرد العلمي على الشبهة من مصاديق إطفاء الفتنة.

 وأيضاً تُعد الابتلاءات والمحن من الفتن، كمن يقوم بنشر الإشاعات والأكاذيب بحق شخص بريء بهدف تسقيطه او استفزازه ليقوم بسلوك معين ومن ثم استغلاله لتحقيق مصالحهم الشخصية… وهذا النوع من الفتن قد انتشر في الآونة الأخيرة وبالأخص عبر مواقع التواصل الاجتماعي… ولكن جذوره موجودة منذ القدم ….

 ونريد في هذه المحاضرة أن نتكلم عن فتنة عظيمة قد اطفأها أمير المؤمنين ومولى المتقين علي بن أبي طالب عليه السلام، ولولا ذلك لانهدم الإسلام ..

 هذه الفتنة تتعلق بالظلامات التي تعرضت لها السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام حينما هجم عليها الشيخان وأتباعهم فدخلوا دارها من دون استئذان، وأحرقوا بابها وكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها ولطموا خدها وسحبوا الإمام بالحبال إلى المسجد ليجبروه على بيعة الأول…

 ورغم أن هذه الحقيقة ثابتة بعشرات النصوص الروائية في كتب الفريقين والتي بلغت حدّ التواتر إلا أن المخالفين يحاولون بشتى الطرق تشكيك عوام الناس فيها كي يطهروا ساحة الشيخين من الظلم والعدوان عن طريق نشر الشبهات ..

 يقول الشيخ جعفر سبحاني: إذا ثبت أنّ الاعتداء على بيت السيدة فاطمة عليها السلام قد حصل بالأدلّة القطعية التي نقلها الفريقان، فلا مجال للاستبعادات المزاجية التي لا تقوم على دليل أو برهان . ([7])

 ولكن رغم ذلك فلقد تصدى علماؤنا لهذه الشبهات، وذكروا الأدلة التي تثبت هذه الحقيقة.. وواجبنا الشرعي يحتّم علينا إطفاء الفتنة بنقل هذه العلوم إلى شيعة أهل البيت عليهم السلام كي يحصّنوا أنفسهم من الانزلاق والتشكيك، وليزدادوا إيماناً على إيمانهم.

مباحث الآية الكريمة

 سوف نطرح الشبهات في المباحث الآتية:

المبحث الأول: شبهة عدم الدفاع عن السيدة فاطمة عليها السلام

 نص الشبهة الأولى: إذا كانت السيدة فاطمة عليها السلام قد ظُلمت من قبل الخلفاء فلماذا لم يدافع عنها الإمام علي بن ابي طالب عليه السلام ؟، أمِنَ المعقول أن يسمح لهم الإمام بضربها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها ؟ ولماذا سمح لها بأن تخاطبهم ولم يفتح الباب بنفسه؟

 الجواب: إن اعتداء الشيخين وأتباعهم على السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام وظلمهم لها في حادثة الهجوم المتمثلة باقتحام الدار بلا استئذان وبحرق دارها وكسر ضلعها وإسقاط جنينها ولطم خدها ثابت بعشرات الأدلة الروائية.

 ولكن استغل (بعضهم وجود الإمام علي عليه السلام في الدار لإثارة بعض الشبهات, لتكذيب ما ورد من المآسي على السيدة الزهراء عليها السلام)([8])                     ونردّ على الشبهة بالنقاط الآتية:

أولاً: إن دخول القوم لبيت السيدة فاطمة عليها السلام لم يكن دخولاً كزيارة المتمثّل بطرق الباب وانتظار الإذن بالدخول، بل هو اقتحام وهجوم ورفسٍ للباب بشكل مفاجيء… دعونا نأخذ فكرة عن أحداث القصة:

بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآلهمباشرة ,إجتمعت الأنصار والمهاجرين في سقيفة بني ساعدة لملء فراغ القيادة بعد النبي صلى الله عليه وآلهمخالفين أوامر الله ورسوله في تنصيب علي عليه السلام الذي بايعوه بالأمس في يوم غدير خم… وبعد جدال تمّ اختيار أبو بكر كخليفة وبايعوه الحضور، ( ثم إن عمر احتزم بإزاره، وجعل يطوف بالمدينة وينادي إن أبا بكر قد بويع له، فهلموا إلى البيعة فينثال الناس فيبايعون، فعرف أن جماعة في بيوت مستترون فكان يقصدهم في جمع فيكبسهم و يحضرهم في المسجد فيبايعون) ([9])، وكان همهم الأكبر أخذ البيعة من الإمام علي عليه السلام لكونه الخليفة الشرعي، لذا أقبل القوم في جمع كثير إلى منزل الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، حيث (عرفوا أن علياً عليه السلام في البيت لذا بادروا لاقتحامه لأنهم حينما عادوا كان علي عليه السلام قد فرغ للتو من دفن رسول الله صلى الله عليه وآله، ولعله قد انصرف لبعض شأنه، ليتوضأ، أو يصلي، أو ليبدّل ملابسه ، أو لغير ذلك . . وكان من الطبيعي أن تجلس الزهراء عليها السلام عند قبر أبيها في هذه اللحظات لتودعه ، ولتناجيه . . وموضع دفن النبي صلوات الله وسلامه عليه هو نفس بيت الزهراء عليها السلام قرب الباب . .فجاء القوم مسرعين ، وطرقوا الباب بهمجية، والزهراء عليها السلام خلفه ، وعلي عليه السلام في الداخل ([10]).

فخاطبتهم فاطمة عليها السلام من وراء باب الدار قائلةً: « لا عهد لي بقوم أسوء محضرا منكم، تركتم رسول الله جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم فيما بينكم، فلم تؤمرونا، ولم تروا لنا حقنا، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم؟! والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم، والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة » ([11])، فقال عمر بن الخطاب (لع): (والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه)، فقيل له إن فيه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآلهوولد رسول الله وآثار رسول الله؟ ([12])

فقال عمر (لع): «وإن » ([13])، ولما كرّروا تهديدهم بإحراق الدار صاحت: « يا رسول الله ماذا لقينا من ابن أبي قحافة وابن الخطاب بعدك ! يا عمر جئت لتحرق علينا دارنا ! » ([14]).

ثمّ إنّ القوم الذين كانوا مع عمر لما سمعوا صوتها وبكاءها ،إنصرف أكثرهم باكين، وبقي عمر وقوم معه. ([15]) ثمّ تفاقم الأمر وأشعلوا النار بالباب، وكانت السيدة الزهراء عليها السلام خلفه !! ثم رفسوا الباب ، ولم تكن عليها السلام – وهي وراء الباب – في وضع تستطيع معه أن تقابل الرجال الأجانب، فبادرت لإغلاقه، لتصبح خلفه، فضغطوها به، فكسروا ضلعها وأسقطوا جنينها ولطموا خدّها. ([16])

وصرخت فبادر علي عليه السلام لنجدتها . . فهربوا، وظفر بأحدهم -كما تقول الرواية – فجلد به الأرض ، وانشغل بإسعاف الزهراء عليها السلام.

فظهر أن ما جرى على السيدة الزهراء عليها السلام في البداية كان مفاجئاً، ولم يكن هناك اتفاق بينها وبين أمير المؤمنين عليه السلام ، على أن تتقدم هي لتفتح الباب دونه ، كما يزعمه الزاعمون. ([17])

إذن نفهم ممّا ذُكر أن دخول الأعداء لبيت السيدة فاطمة عليها السلام كان عبارة عن اقتحام وهجوم ورفس للباب على صورة همجية بصياح وعربدة . لذا فمن المحتمل جدا أن الإمام علياً لا يكون قد عرف بوجود الناس على الباب إلا بعد فوات الأوان وبعد حصول ما حصل وهو لم يستغرق إلا لحظات يسيرة .

ثانياً: إنّ الإعتقاد أنّ علياً عليه السلام لم يدافع عن السيدة الزهراء عليها السلام غير صحيح، لأن الإمام علي عليه السلام قد أنجد الزهراء عليها السلام بمجرد أن سمع صراخها ولكن الأمر كان قد قُضي ، وأصيبت سيدة النساء، ولم تكن هناك فرصة لدفعهم عن أذى الزهراء عليها السلام .

لذا فالإمام عليه السلام دافع عن حرمة بيته عملاً بواجبه الشرعي ، إلاّ أنّ الدفاع في ذلك اليوم لم يتّخذ شكل الحرب وإراقة الدماء، لكونه ليس الخيار الوحيد.

ولقد وردت نصوص كثيرة تدل على دفاع الإمام علي عليه السلام عن السيدة فاطمة عليها السلام ،اخترنا منها ما نقل من كتاب (سليم بن قيس) الذي أخذنا منه موضع الشاهد: «… فوثب علي عليه السلام فأخذ بتلابيبه ثم نتره فصرعه ووجأ أنفه ورقبته وهم بقتله، فذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآلهوما أوصاه به، فقال : (والذي كرم محمداً بالنبوة – يا بن صهاك – لولا كتاب من الله سبق وعهد عهده إلي رسول الله (ص) لعلمت إنك لا تدخل بيتي)، أبو بكر يصدر أمره بإحراق البيت مرة أخرى، فأرسل عمر يستغيث، فأقبل الناس حتى دخلوا الدار وثار علي عليه السلام إلى سيفه، فرجع قنفذ إلى أبي بكر وهو يتخوف أن يخرج علي عليه السلام إليه بسيفه، لما قد عرف من بأسه وشدته، فقال أبو بكر لقنفذ: إرجع، فإن خرج وإلاّ فاقتحم عليه بيته، فإن امتنع فاضرم عليهم بيتهم النار، فانطلق قنفذ الملعون فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وثار الإمام علي عليه السلام إلى سيفه فسبقوه إليه وكاثروه وهم كثيرون، فتناول بعضهم سيوفهم فكاثروه وضبطوه فألقوا في عنقه حبلاً ». ([18])

ثالثاً: من قال: إن السيدة الزهراء عليها السلام قد فتحت الباب؟، فقد سألوها أن تفتح الباب لهم, فأجابتهم من خلف الباب وأقامت عليهم الحجّة ولم تأذن لهم بالدخول، فهجموا على الباب بمجرد سماعهم لصوتها ومعرفتهم بوجودها محاولين فتحه عنوة, فلاذت وراء الباب, فأحسوا بها, فعصروها بالباب, ولا تستغرق هذه العملية أكثر من ثوان معدودة . فلما سمع علي عليه السلام الجلبة بادر إليهم فهربوا وأدرك الزهراء وهي في تلك الحال محاولاً إسعافها .

بعبارة أخرى: إن الإمام علي عليه السلام لم يطلب من الزهراء عليها السلام أن تفتح الباب ولا طالبها بمواجهة الرجال ومحادثتهم بل جرت الأمور بسرعة ولا دليل على أنه قد سمع أو علم بما جرى قبل ارتفاع الأصوات. ([19])

علماً أن الشريعة لم تنهَ المرأة أن تجيب الطارق أو أن تفتح الباب، ولا يتعارض هذا السلوك مع الغيرة والحميّة ما دامت المرأة محتشمة وعفيفة،( وإن مجرد إجابة الطارق على الباب بكلمة: (من الطارق) ليس فيه ما ينافي الغيرة، فإن الأقرب إلى الباب يجيب الطارق بحسب العادة خصوصاً عندما يكون صاحب البيت مشغولاً، ومن الذي قال: إن علياً عليه السلام لم يكن في وضع يمنعه من المبادرة لإجابة الطارقين؟! . .) ([20]). ولنا في رسول الله أسوة حسنة الذي لا يوجد أغيّر منه ومع ذلك تذكر كتب التاريخ والسيرة بانه كان يأمر نساءه بإجابة الطارق حين يقتضي الأمر ذلك خصوصاً عندما يكون صاحب البيت مشغولاً.

رابعاً: إن مثول السيدة الزهراء عليها السلام وراء الباب و محاججتها معهم، كل ذلك إتماماً للحجّة لكونها بنت رسول الله صلى الله عليه وآلهالتي قال في حقها رسول الله صلى الله عليه وآله: « فاطمة بضعة مني من أحبها فقد أحبني ومن أغضبها فقد أغضبني ومن آذاها فقد آذاني » على أمل أن يرجع القوم إلى الحق ويعرفوا طريقه )لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ(.([21]).([22])

المبحث الثاني: شبهة عدم محاربة المعتدين

 نص الشبهة الثانية: لماذا لم يحاربهم أمير المؤمنين عليه السلام وقعد عن طلب حقّه في الخلافة، بل لم يدافع عن نفسه وزوجته؟!

 الجواب: لقد ذكرنا في المبحث الأول أن الإمام عليه السلام قد دافع عن السيدة فاطمة عليها السلام، وأيضاً الإمام لم يقعد عن طلب حقه في الخلافة بل طالب به مراراً وتكراراً –كما سيتضح في البحث-.. غاية ما في الأمر أنه عليه السلام لم يستخدم أسلوب الحرب والقتال وسفك الدماء، فهناك عدة أسباب منعت الإمام علي عليه السلام من محاربة القوم، من أبرزها الآتي:

السبب الأول: قلّة الناصر والمعين

  إن الإمام علي عليه السلام لم يحاربهم لأن تحقيق النصر يحتاج إلى أسباب، ومنها: توفر العدد الكافي من الناصر والمعين، قال تعالى:) إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ( ([23])، وقال تعالى:) وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ ( ([24]) ولكن الإمام عليه السلام لم يجد مَنْ أعانه إلاّ ثلاثة أو أربعة، ولذا اقتدى برسول الله صلى الله عليه وآله، حيث سئل الإمام الرضا عليه السلام : « لِمَ لَمْ يجاهد علي أعداءه خمسا وعشرين سنة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله ثم جاهد في أيام ولايته ؟ فأجابهم : لأنه اقتدى برسول الله في تركه جهاد المشركين بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة وبالمدينة تسعة عشر شهرا . وذلك لقلة أعوانه عليهم وكذلك ترك علي مجاهدة أعدائه لقلة أعوانه عليهم ». ([25])

 والنصوص التي تثبت ذلك عديدة، نذكر منها الآتي:

+ قال علي عليه السلام : « لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما أخذ الله تعالى على أولياء الأمر، أن لا يقاروا على كظة ظالم، أو سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها . . . ». ([26])

+ قال عليه السلام في خطبة له: « أما والله لو كان لي عدّة أصحاب طالوت أو عدّة أهل بدر… لضربتكم بالسيف حتّى تَؤولوا إلى الحقّ.. ».([27])

+ وفي خطبة الشقشقية: « وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء.. ». ([28])

+ قال عليه السلام : « فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي فضننت بهم عن الموت وأغضيت على القذى وشربت على الشجى وصبرت على أخذ الكظم وعلى أمر من طعم العلقم ». ([29])

+ (ثم إنه عليه السلام – بعد الفراغ من دفن النبي صلى الله عليه وآله وجمع القرآن – خطب الناس ودعاهم إلى نصرته، بل ذهب مع فاطمة والحسنين عليهم السلام إلى دور المهاجرين والأنصار, واستنصرهم لإزالة أبي بكر عن الخلافة المغتصبة، وذكّرهم ما أوصاهم به رسول الله صلى الله عليه وآله في حقّه، فلم يدع لأحد عذراً في ترك نصرته.

 ذكر ابن قتيبة: ( وحمل أمير المؤمنين الزهراء والحسنين ليلاً مستنصراً بوجوه القوم فلم ينصروه ). ([30])

+ كما أنّ فاطمة الزهراء عليها السلام حينما خطبت الناس في المسجد دعتهم إلى محاربة الهيئة الحاكمة بأبلغ الوجوه وقالت صريحاً: « قاتلوا أئمة الكفر » ، إلاّ أن ذلك كلّه لم يؤثر في قلوب خَلَت عن ذكر الله، وضعفت في إيمانها، ثم بعد إتمام الحجّة عليهم كان اللازم عليهم أن يجتمعوا لنصرة أمير المؤمنين عليه السلام لا أن يأتي هو عندهم ويدعوهم، فإنّ مثل الإمام مثل الكعبة يؤتى ولا يأتي). ([31])

السبب الثاني: تنفيذاً لوصية رسول الله صلى الله عليه وآله

 إن الإمام علي عليه السلام تحمّل من المصائب والمظالم ما تنهد لهولها الجبال لكونه مأموراً بذلك من قبل الرسول صلى الله عليه وآلهالذي لا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، ولقد وردت في ذلك نصوص عديدة، نذكر منها الآتي:

% في رواية عن مولانا الإمام الكاظم عليه السلام : قال رسول الله صلى الله عليه وآلهلأمير المؤمنين عليه السلام : « إعلم يا أخي! إنّ القوم سيشغلهم عنّي ما يشغلهم… والذي بعثني بالحق، لقد قدمت إليهم بالوعيد، بعد أن أخبرتهم رجلاً رجلاً ما افترض الله عليهم من حقّك، وألزمهم من طاعتك، وكل أجاب وسلّم إليك الأمر، وإني لأعلم خلاف قولهم، فإذا قبضتُ وفرغتَ من جميع ما اُوصيك به وغيّبتني في قبري، فالزم بيتك واجمع القرآن على تأليفه، والفرائض والأحكام على تنزيله، ثم امض على غير لائمة على ما أمرتك به، وعليك بالصبر على ما ينزل بك وبها – يعني بفاطمة عليها السلام- حتى تقدموا عليّ ». ([32])

% فى رواية أُخرى أن الأشعث بن قيس سأل الإمام عليه السلام : « ما منعك يا ابن أبي طالب حين بويع أخو بني تيم وأخو بني عدي وأخو بني أمية أن تقاتل وتضرب بسيفك ، وأنت لم تخطبنا مذ قدمت العراق إلا قلت قبل أن تنزل عن المنبر، والله إني لأولى الناس وما زلت مظلوما مذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال عليه السلام : يا ابن قيس لم يمنعني من ذلك الجبن ولا كراهية لقاء ربي ولكن منعني من ذلك أمر النبي صلى الله عليه وآلهوعهده إلي . أخبرني بما الأمة صانعة بعده ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: يا علي ستغدر بك الأمة من بعدي . . . فقلت يا رسول الله فما تعهد إلي إذا كان كذلك . . ؟ فقال : إن وجدت أعواناً فانبذ إليهم وجاهدهم . وإن لم تجد أعواناً فكفّ يدك واحقن دمك حتى تجد على إقامة الدين وكتاب الله وسنتي أعوانا ». ([33])

% في رواية: قال له صلى الله عليه وآله: « يا عليّ! إنك ستبتلى بعدي فلا تقاتلنّ ». ([34])

% روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: « يا علي إن القوم نقضوا أمرك واستبدوا بها دونك وعصوني فيك، فعليك بالصبر حتى ينزل الأمر، ألا وإنهم سيغدرون بك لا محالة، فلا تجعل لهم سبيلاً إلى إذلالك وسفك دمك، فإن الأمة ستغدر بك بعدي ! كذلك أخبرني جبرئيل عليه السلام عن ربي تبارك وتعالى ». ([35])

% بل حتى مصادر أهل السنّة تذكر ذلك، ففي ( الرياض النضرة ) أخرجه الطبري قال : دعا الرسول صلى الله عليه وآلهعليا وقال له: « يا علي إني أعلم ضغائن في صدور قوم سوف يخرجونها لك من بعدي، أنت كالبيت تؤتى ولا تأتي، إن جاءوك وبايعوك فاقبل منهم وإلا فاصبر حتى تلقاني مظلوما» .([36])

المبحث الثالث: شبهة عدم محاربته تتعارض مع شجاعته

 نص الشبهة الثالثة: لماذا لم يحاربهم الإمام علي عليه السلام لوحده وهو المعروف بأنه أشجع الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وآله، فهو داحي باب خيبر التي عجز أربعين رجلاً عن تحريكها، ويستطيع بالمعجزة إهلاكهم؟

  الجواب: لقد ذكرنا في المبحث السابق إن الإمام عليه السلام ملزم بتنفيذ وصية رسول الله صلى الله عليه وآله، ومع ذلك نرد على التساؤل بالنقاط الآتية:

1.إن الأنبياء والأوصياء يستطيعون بالمعجزات أن يغيروا من معادلة الصراع بينهم وبين الباطل لكن هذا المنهج لا يتبعونه الا في حالات خاصة عندما يتوقف أمر الدين على ذلك والسبب في ذلك أن الدنيا هي دار بلاء وامتحان، والامتحان يحتاج الى حرية الاختيار ليتميز الخبيث من الطيب فمع قمع كل قوى الباطل عن طريق المعجزات لا يبقى مجال للاختبار والامتحان ولا تظهر حقيقة كثير من الناس. ([37])

  لذا فالإمام علي عليه السلام لم يفعل ذلك لأن أخذ الحقوق والمطالبة بالخلافة لا تتحقق بالإكراه ولا تقوم بالقوة والسيف كما فعل أصحاب الدنيا .. فالدنيا لا تساوي عنده عفطة عنز ..

2.(إن المتأمّل لا يخفى عليه أنه عليه السلام لو أراد أن يواجه القوم ويحاربهم ـ مع ما هو عليه من قلّة الأنصار والأعوان ـ لقتلوه وقتلوا معه أنصاره وأهل بيته عليهم السلام .. وهذا غاية آمال الخليفة وأعوانه، فيضيّع بذلك جميع ما احتمله النبي صلى الله عليه وآله في إقامة الدين. ([38])

 وأمّا عدم صدور الإعجاز عنه عليه السلام – مع أنه أفضل الأوصياء عليهم السلام وسيّدهم، وعنده علم الكتاب كلّه، الذي به يقدر على جميع المعجزات – فلأنّ الأوصياء كالأنبياء عليهم السلام لم يكونوا مأمورين بالإعجاز في جميع أُمورهم، بل فيما أُذن الله لهم، وهم عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُون. ([39])

3.إن الإمام عليه السلام يعرف أنه سيترتب على قتالهم ذهاب الدين بأصوله وفروعه لأن الناس جديدو عهد بالإسلام …ولكن حينما توفرت هذه الشروط بعد مقتل عثمان بن عفان والتفاف الأمة حوله ومطالبتها بأن يكون خليفة عليها، قَبِلَ بذلك ولما رأى ظلما يهدد الإسلام لم يسكت لأن الظروف تغيرت. فلذا في مدة خلافته جاهد الناكثين أيام حرب الجمل، والقاسطين أيام معاوية والمارقين أي (الخوارج) لوجود الأنصار معه.

4. الشجاعة لا تتمثل بشهر السيف في كلّ المواضع، وإنّما الشجاع هو الذي يملك السيطرة على شهواته وأهوائه ونفسه الأمارة بالسوء وفق مرضاة الله تعالى.

 لنسمع ما هو تعريف الشجاع والقوي في الإسلام، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: « الشجاع من يملك نفسه عند غضبه ». ([40])، وروي أنه « مرّ صلى الله عليه وآلهبقوم يتشايلون حجراً ، فقال : ما هذا ؟ فقالوا : نختبر أشدّنا وأقوانا ، فقال : ألا أخبركم بأشدّكم وأقواكم ؟ قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : « أشدّكم وأقواكم الذي إذا رضي لم يُدخله رضاه في إثم ولا باطل، وإذا سخط لم يخرجه سخطه من قول الحقّ ، وإذا ملك لم يتعاط ما ليس له بحقّ ». ([41])

فبطولة علي عليه السلام وشجاعته تكمن بصبره على الأذى، وعدم استجابته للاستفزاز الذي مارسوه ضده. بمعنى أن القوم أرادوا إشعال الفتنة ولكن الإمام علي عليه السلام اطفأها بقوة إيمانه-وسنوضح ذلك في المبحث الأخير-.

المبحث الرابع: شبهة أن المصلحة تنحصر بمحاربتهم

 نص الشبهة الرابعة: إن المصلحة توجب على أمير المؤمنين عليه السلام لا فقط الدفاع عن فاطمة عليها السلام بل توجب عليه محاربة القوم المعتدين من أجل الانتقام منهم واستلام الخلافة.. وبهذا سينتهي الظلم!

 الجواب: إن من يدّعي أن المصلحة تقتضي محاربتهم فهو مُخْطِئٌ للأسباب التي سنطرحها في النقاط الآتية:

1.إن الشريعة أمرتنا بالحق وتطبيق العدل المتمثل بالطاعة المطلقة لمحمد وآل محمد عليهم السلام لأنهم الحق، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآلهيقول: علي مع الحق والحق مع علي ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض يوم القيامة. ([42])

ولذا لا يحق لأحد الاعتراض على أمير المؤمنين عليه السلام، بل وجب عليه أن يعرف أن المصلحة والحكمة هو بكل ما يفعله ويقوله الإمام، ومن يعترض على الإمام فهو يعترض على الله تعالى، روي عن النبي صلى الله عليه وآله: « يا علي من أطاعك فقد أطاعني ومن أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاك فقد عصاني ومن عصاني فقد عصى الله ». ([43])

2.إن الظلم لا ينتهي بمقتل هؤلاء، لأن المنافقين والمشركين والكافرين كُثر .

3.إن الشريعة نهتنا عن الانتقام لما يترتب عليه في الغالب من تجاوزٍ للحدود الشريعة. نعم يحق للمظلوم أن يحاسب الظالم ولو بالرجوع إلى الحاكم الشرعي، ولكن في حالة عدم وجود الناصر والمعين فالحل يكون بالصبر وتفويض الأمر إلى الله تعالى وهذا ما فعله الإمام، روي عن الإمام الصادق عليه السلام – في التوراة -: « إذا ظلمت بمظلمة فارض بانتصاري لك، فإن انتصاري لك خير من انتصارك لنفسك ». ([44])، وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام : «قوة الحلم عند الغضب أفضل من القوة على الإنتقام ». ([45])

4. إن الشرع والعقل يحكمان فيما لو حصل تزاحم بين أمرين فيهما ضرر، بوجوب دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر.

 مثال ذلك: لنفترض أن شخصا مصابا بمرض خبيث -لا سامح الله- وقرر الأطباء بتر ساقه لكي ينجو وإلا سيتعرض للموت..فهنا العاقل يختار البتر رغم أنه ضرر ولكنه أهون من الضرر الأكبر وهو الموت.

 وحين نأتي إلى قصة الخضر وموسى عليهما السلام في القرآن الكريم نجد أن الحوادث التي نفذها الخضر عليه السلام فيها ضرر كخرق السفينة، قال تعالى: ) فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَا ۖ قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْـًٔا إِمْرًا ( ([46])ولما اعترض نبي الله موسى عليه السلام على سلوكه أخبره قائلاً:) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا ( ([47]). إذن الضرر الأصغر -بجعل عيب في السفينة- دفع الضرر الأكبر المتمثل بسرقة السفينة من الأيتام. وأما تطبيق الأمر على قضيتنا فهو أن ما جرى على السيدة الزهراء عليها السلام من ضرر فهو قياسا الى الضرر الآخر -وهو هدم الإسلام- يعد ضرراً أصغر منه..لأن الإمام عليه السلام لو حاربهم ستحصل فتنة ينتهي الدين على أثرها.

 وأيضاً إن صبر أهل البيت عليهم السلام على هذا الفعل القبيح والإجرامي الصادر من هؤلاء سيكشف الأقنعة عن وجوه الظالمين المزيفة وهذا فيه مصلحة للإسلام.

 ولقد سار على هذا النهج ائمة أهل البيت عليهم السلام ومنهم الإمام الحسين عليه السلام الذي أُمر بأن تحمل نساءه وأطفاله الى كربلاء رغم أنه يعلم أنه مقتول لا محالة ويعلم بالأضرار التي ستتعرض لها نساؤه وعيالاته.

 ولمّا نطبق هذا الأمر على محل كلامنا سنجد أن الإمام علياً عليه السلام قد امتنع عن محاربة القوم لأنه يعرف ما سيترتب عليها من نتائج سيّئة وآثار وخيمة وأضرار عظيمة.

رُبّ تساؤل يرد: ما هي الأضرار والآثار الوخيمة المترتبة على محاربة القوم؟

الجواب: الآثار عديدة نوجزها بالآتي:

أولاً: إرتداد كثير من الناس: إن الارتداد، وهو الخروج والإعراض عن دين الإسلام، ويتحقّق الارتداد بإنكار وجود الله، وحقانية نبي الإسلام صلى الله عليه وآله، وضرورات الدين كالصلاة والصوم ونحوها.

 فبعض المسلمين في تلك الفترة كانوا حديثو عهدٍ بالإسلام، وإيمانهم ضعيف، يتأثرون بالفتن فيرتد بعضهم، قال تعالى: ) وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ ۖ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ ۖ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ( ([48])

 ولما نتأمل المدة التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وآلهسنجد بأن (المنافقين كانوا يعدّون الأيّام يوماً بعد يوم وهم يترقّبون وفاة النّبي صلى الله عليه وآله وكانوا قد أعدّوا أنفسهم ليطعنوا الإسلام الفتيّ طعنةً نجلاء، ولذا نرى أنّ أصحاب الردّة – المناوئين للإسلام – قد ثاروا مباشرةً في زمان أبي بكر، ولولا إتّحاد المسلمين وفطنتهم وحذرهم لكان من الممكن أن ينزلوا بالإسلام ضربات قاسية، ومن أجل ذلك سكت الإمام علي عليه السلام عن حقّه لئلاّ يستغلّ العدو هذا الأمر.

 ثمّ إنّ هارون عليه السلام – مع أنّ موسى عليه السلام كان على قيد الحياة – قال بصراحة ردّاً على ملامة أخيه له على تقصيره: ) إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيل ( ([49])، وهو يوحي بأنّه أيضاً قد تراجع بعض الشيء نتيجة الخوف من الاختلاف).([50])

 ومن المعلوم أن الارتداد يترتب عليه هدم الإسلام، روي عن أبي جعفر الباقر عليه السلام : « لم يمنع أمير المؤمنينعليه السلام من أن يدعو إلى نفسه إلاّ نظراً للناس وتخوّفاً عليهم أن يرتدّوا عن الإسلام فيعبدوا الأوثان، ولا يشهدوا أنْ لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً رسول الله صلى الله عليه وآله» . ([51])

 ولذا فأمير المؤمنين عليه السلام لم يحارب القوم خوفاً من ارتداد بعض المسلمين وهدم الإسلام، يروى أن السيدة فاطمة عليها السلام لما رجعت من المسجد بعدما خطبت خطبتها العظيمة وألقت الحجج على خصومها، ورجعت لأمير المؤمنين وهي حزينة لِمَا جرى عليهم من ظلم…(قالو فبينما علي عليه السلام يكلمها ويهديها واذا بصوت الموذن ارتفع ، فقال لها علي عليه السلام : « يابنت رسول الله ! إذا تحبين أن يبقى هذا الصوت مرتفعا ويخلد ذكر أباك رسول الله صلى الله عليه وآله فاحتسبي الله واصبري . فقالت: حسبي الله ، وأمسكت » فضحى الإمام علي عليه السلام بحقه وحق زوجته السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام وسكت عن المغتصبين، حفظا للدين وشريعة سيد المرسلين من الضياع والانهيار.([52])

 وهذه الحقيقة قد ذُكرت في مصادر أهل السنّة، فقد روى السيوطي عن أبي الطفيل عامر بن وائلة، قال: كنت على الباب يوم الشورى، فارتفعت الأصوات بينهم، فسمعت علياً عليه السلام يقول: « بايع الناس أبا بكر وأنا والله أولى بالأمر منه وأحق به منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفّاراً يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم بايع الناس عمر وأنا والله أولى بالأمر منه وأحق به منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفاراً يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف.. ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان؟!..» . ([53])

ثانياً: إندلاع الفتن: إنّ الإمام عليه السلام مع القلّة القليلة من أنصاره لو شهروا السيف بوجه القوم، لانقسم المسلمون إلى فريقين، وهذا الانقسام يُعد أرضاً للْمُنَافِقُينَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُينَ فِي الْمَدِينَةِ من أجل اِشعال نار الفتنة بإشاعة الأكاذيب بأن الإمام علي عليه السلام قاتل القوم من أجل المنصب والخلافة.

 قد يسأل أحدكم: أليس الله تعالى قال:) فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ ( ([54])؟

 نقول: إن الأمر بالقتال يتوقف على شروط منها: أن يكون بإذن الإمام المعصوم وبتوفر العِدّة والعدد الكافي والطاعة المطلقة لأوامر الإمام، وعندها تُطْفَأُ الفتنة، قال تعالى:) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ( ([55])، ولكن لمّا لا تتوفر هذه الشروط فأن القتال يترتب عليه فتنة أدهى وأعظم، وهذا ما حصل مع أمير المؤمنين عليه السلام فلذا لم يحاربهم…

 ولقد شهد على ذلك من هم من أعدائه، وفي كتاب معاوية المشهور إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال : « وأعهدك أمس تحمل قعيدة بيتك ليلا على حمار . ويداك في يد ابنيك الحسن والحسين يوم بويع أبو بكر . فلم تدع من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك ومشيت إليهم بامرأتك وأدليت إليهم بابنيك . فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة . ومهما نسيت فلا أنسى قولك لأبي سفيان لما حركك وهيجك . لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم لناهضت القوم. فإذا الإمام كان وحيدا فكيف يقاتل أمة لوحده ». ([56])

 والإمام عليه السلام كان عارفاً بأن هناك من يريد استغلال القتال وسفك الدماء من أجل تحقيق مصالحه الشخصية، فلقد حدث أن جاء أحد المنافقين في زيّ الُمحبّ المُشفق إلى عليّ عليه السلام وقال له : « يا أبا الحسن أبسط يدك حتّى أُبايعك ، وقائل هذه الجملة هو أبو سفيان العدوّ اللّدود للإسلام . إلاّ أنّ أمير المؤمنين كان مطّلعاً على دخيلة أمره ، في أنّه يريد إيقاع أهل بيت النبيّ في حرب داخليّة بالمدينة ، ولذلك أجابه عليه السلام بقوله :” إنّك والله ما أردت بالإسلام إلاّ الفتنة ، وإنّك والله طالما بغيت الإسلام، لا حاجة لنا في نصيحتك ». ([57])([58])

 إن التاريخ يذكر لنا العديد من الفتن، منها :أن عثمان بن عفان قد حوصر في أيامه الأخيرة مدّة أربعين يوماً وليس يوماً واحداً فقط، ومعاوية كان في الشام -وهي ليست في المريخ- فلو أراد فعلا أن يفك حصاره لأرسل جيشاً…. أين ذهب الصحابة! كيف تركوا عثمان – الذي يقولون أن الملائكة تستحي منه – محاصرا في قصره يطلب الماء ولا يجده؟!

 والمصيبة الأدهى أن عائشة كانت تشجّع على قتله وتقول: (أقتلوا نعثلا فقد كفر) وإيضا طلحة من شجّع الآخرين على قتله، ولكن بعدما قُتل مباشرة فإذا بهم يطالبون بدمه من أمير المؤمنين عليه السلام رغم أن الإمام اعترض على فعلهم بالمحاصرة، بل وأرسل له ماءً غلسة لأنه لا يجوز منع الماء حتى على الكفار. وترتب على هذه الفتنة سفك الآف الدماء نتيجة حرب الجمل التي قادتها عائشة وحرب صفين التي قادها معاوية.

 إلى هنا انتهينا من الرد على أبرز ما يتعلّق بشهبة دفاع الإمام علي عن السيدة فاطمة عليهما السلام. فلذا على الموالين والمحبين لأهل البيت عليهم السلام أن لا يصغوا إلى أمثال هذه الشبهات التي هي بمثابة سم يخلط في العسل، ويكفيهم أن يعلموا أن الإمام معصوم ومسدد من قبل الله لا يخطأ ولا يسهو ولا يغفل، وكل أقواله وأفعاله حجّة علينا ولا يحق لنا الاعتراض عليها… نعم لا بأس بالتعرّف على الأسباب التي ذكرها علماؤنا والتي ذكرناها في البحث ومنها أن الإمام علياً عليه السلام كان مأموراً بتنفيذ وصية رسول الله صلى الله عليه وآلهالذي كان عارفاً بما سيجري على أهل بيته من بعده ولذا تذكر كتب السيرة والتاريخ (كان رسول الله صلى الله عليه وآلهفي -أيامه الأخيرة- كثيرا ما يبكي إذا نظر إلى أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام فإذا سألوه عن بكائه يقول إني أتذكر ضربة علي على رأسه ولطم فاطم على خدها وطعن الحسن في فخذه والسم الذي يسقاه وقتل الحسين.

 أقول: كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وآلهلقد تحقق كل شيء حيث جرت المصائب على أهل البيت الواحد بعد الآخر وأولهم ظلامة السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام التي اقتحم القوم عليها دارها.

 يقول السيد المقرم في كتاب وفاة الصديقة نقلاً عن البحار: فأصر … أن يبعث إليه (إلى علي بن أبي طالب عليه السلام) فأرسل قنفذا أحد بني كعب بن عدي من الطلقاء، ومعه جماعة فأتوا بيت أمير المؤمنين فلم يأذن لهم في الدخول فرجع الجماعة وثبت قنفذ على الباب ولما سمع… من الجماعة ذلك غضب وأمرهم بحمل حطب ليضعوه على الباب فإن خرج أمير المؤمنين إلى البيعة وإلا أحرقوا البيت على من فيه ووقف… على الباب وصاح بصوت رفيع يسمع علياً وفاطمة لتخرجن يا علي إلى البيعة وإلا أضرمت عليك النار فصاحت فاطمة مالنا ولك فأبى أن ينصرف إلا أن تفتح الباب له ولما رأى منهم الامتناع أضرم النار في الحطب ودفع الباب وكانت ابنة رسول الله صلى الله عليه وآلهخلفها فمانعته من الدخول فركل الباب برجله وألصقها إلى الجدار ثم لطمها على خدها من ظاهر الخمار حتى تناثر قرطها وضرب كفها بالسوط فندبت أباها وبكت بكاءا شديدا عاليا ثم عصرها إلى الجدار ثانية فنادت أهكذا يفعل بحبيبتك واستغاثت بجاريتها فضة وقالت لقد قتل ما في بطني من حمل ([59]) وأقبلت إليها فضة فأخرجتها من وراء الباب وجاءت بها إلى حجرتها وهناك أسقطت جنينها فأغمي عليها.

(نصاري)

غدت تصرخ يفضّه صدري انعاب او حملي سگط مني ابعتبة الباب

اجت فضه او لگتها فوگ التراب يسيل امن الصدر واضلوعها الدم

(أبوذية)

آه اكتاب حزني من يفـــــــــــــــــــــــــضّه ابد ما يفض نوحي من يفــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــضه

على الصاحت تعالي لي يفضّه الحمل طاح او سگط فوگ الوطيه

 (أبوذية)

لبست الحزن طول العمر يلبــــــاب ذهيل او مابگت لي افكار يلباب 

انشدك وين محسن سگط يلباب يوم العصروا الزهره الزچـــــــــــــــــــــــــــــيه 

(أبوذية)

كتلها ابعصرته الظالم ولمها او ما يبره الضلع كسره ولمــــــــــها 

الزهره من حضر يمها ولمها من صاحت يفضه اتعاي ليه 

(أبوذية)

يفضه صاحت ام احسين ونهه او من طاح الجنين انگطع ونهه

خفّه صوتها البسمار ونهه او كسر ضلعين من عدها الزچيه

***

أفاطمُ يُسقَطُ منها الجنينُ و تُدفَعُ عن حقّها راغمهْ

و تُحرَقُ بابَ فِناها الطَغامُ و تأتي علي خدرها هاجمهْ

فتبت يدٌ كسرتْ ظِلعَها و مُدَّتْ على وجهها لاطمه([60])


________________________________________

([1]) رياض المدح والرثاء -ص280.

([2]) مجمع مصائب أهل البيت عليهم السلام-الشيخ الهنداوي-ص45-46.

([3]) الأنفال/25.

([4]) تفسير المنار-محمد رشيد -ج 9-ص 638.

([5]) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل -الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – ج ٥ – ص397-398.

([6]) بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٩٧ – ص ٩٣.

([7]) مركز الإشعاع الإسلامي للدراسات والبحوث الإسلامية/ islam4u.com / الرئيسية/ شبهات و ردود / إذا كانت فاطمة قد ظلمت من قبل الخلفاء فلماذا لم يدافع عنها علي بن ابي طالب؟ -بقلم الشيخ جعفر سبحاني.

([8]) مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.com/الأسئلة العقائدية/فاطمة الزهراء (عليها السلام) / هل كان على (عليه السلام) في البيت عند هجوم القوم؟

([9]) بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٢٨ – ص ٢٠٤.

([10]) مختصر مفيد . . (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة) -السيد جعفر مرتضى العاملي -«المجموعة التاسعة » – السؤال (497) .

([11]) بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٢٨ – ص ٢٠٥.

([12]) بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٢٨ – ص ٢٠٤.

([13]) بحار الأنوار -العلامة المجلسي – ج ٢٨ – ص ٣٥٦.

([14]) جواهر التاريخ -الشيخ علي الكوراني العاملي – ج ١ – ص١٢١.

([15]) العقائد الإسلامية/ research.rafed.net/ عقائد الشيعة/ فاطمة الزهراء عليها السلام/ عشرة مواقف لفاطمة الزهراء عليها السلام يكفي الواحد منها لمن كان له قلب! – للشيخ علي الكوراني العاملي.

([16]) لمعرفة مصادر هذه الظلامات راجع المحاضرة المعنونة بــــــ(فاطمة والتمهيد للظهور) في الجزء الخامس لكتاب(زاد المبلغات).

([17]) مختصر مفيد . . (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة) -السيد جعفر مرتضى العاملي – « المجموعة التاسعة » – السؤال (497) –بتصرف.

([18]))كتاب سليم بن قيس -تحقيق محمد باقر الأنصاري – ص 150 – 151 .

([19]) خلفيات كتاب مأساة الزهراء (عليها السلام) -السيد جعفر العاملي -(ج2 ص 53-56)-بتصرف.

([20]) مختصر مفيد .. (أسئلة وأجوبة في الدين والعقيدة)، السيد جعفر مرتضى العاملي، «المجموعة التاسعة»، السؤال (493).

([21]) الأنفال/42.

([22]) مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.com/الأسئلة العقائدية/فاطمة الزهراء (عليها السلام) / هل كان علي (عليه السلام) في البيت عند هجوم القوم؟ -بتصرف.

([23]) محمد/7.

([24]) الأنفال/60.

([25]) عيون أخبار الرضا (ع) -الشيخ الصدوق – ج ١ – ص ٨٧.

([26]) شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد – ج ١ – ص ٢٠٢.

([27]) بحار الأنوار-المجلسي-ج ٢٨ -ص ٣٤١.

([28]) نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع) – ج ١ – ص٣١.

([29]) نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع) – ج ١ – ص ٦٧.

([30]) الإمامة والسياسة –ابن قتبية-ص130، والنهج-ج 3 -ص 5.

([31]) ﺍﻟﻬﺠﻮﻡ ﻋﻠﻰ ﺑﻴﺖ ﻓﺎﻃﻤﺔ (ﻉ) -ﻋﺒﺪ ﺍﻟﺰﻫﺮﺍﺀ ﻣﻬﺪﻱ-ص 464-بتصرف.

([32]) خصائص الأئمة (عليهم السلام): ٧٣، عنه الطرف ص ٢٦ ـ ٢٧، عنه بحار الأنوار: ٢٢ / ٤٨٣. وراجع الصراط المستقيم: ٢ / ٩٢.

([33]) شرح الذهبي في البلاغة – التستري-ج 4 -ص 519.

([34]) الغدير-الأميني-ج ٧ -ص ١٧٣، وكنوز الدقائق-المناوي -ص ١٨٨.

([35]) الخصال -الشيخ الصدوق – ص٤٦٢.

([36]) نقلا من كتاب مناظرات المستبصرين-عبد الله حسن-ص508.

([37]) مركز الأبحاث العقائدية/aqaed.com/الأسئلة العقائدية/فاطمة الزهراء (عليها السلام) /لماذا لم يستخدم الإمام الحسين (عليه السلام) المعجزات.

([38]) الهجوم على بيت فاطمة (ع) -عبد الزهراء مهدي-ص486.

([39]) م. ن -ص467.

([40]) جامع السعادات – النراقي – ج 1 ص 258.

([41]) الخصال -الشيخ الصدوق -ص ١٠٥.

([42]) بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ٣٨ – ص ٢٩.

([43]) م.ن.

[44]([44]) ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٣ – ص ٢٧٢٢.

([45]) ميزان الحكمة -محمد الريشهري – ج ٣ – ص ٢٧٢١.

([46]) الكهف/71.

([47]) الكهف/79.

([48]) الحج/11.

([49]) طه/94.

([50]) تفسير الأمثل -مكارم الشيرزي -ج10 -ص 61-62.

([51]) بحار الأنوار-المجلسي-ج ٢٨ -ص ٢٥٤ -٢٥٥.

([52]) ليالي بيشاور-محمد الموسوي الشيرازي-ص999.

([53]) مسند فاطمة الزهراء (عليها السلام): ٢١ -٢٢. وراجع الصراط المستقيم: ٣ / ١١٩ عن الخوارزمي.

([54]) الحجرات/9.

([55]) البقرة/193.

([56]) شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد – ج ٢ – ص ٤٧.

([57]) تاريخ الطبري: 2 / 449.

([58]) الأجوبة الهادية إلى سواء السبيل -عبد الله الحسيني -ج 1-ص39-بتصرف.

([59]) وفاة الصديقة-عبد الرزاق المقرم-ص61-بتصرف.

([60]) مجمع مصائب أهل البيت عليهم السلام-الشيخ الهنداوي-ص47-49


: مياسة شبع