مِنَ النِّعَمِ العظيمة التي حبانا الله سبحانه بها أئمّةُ الهدى من أهل البيت عليهم السلام، فقد جعلهم الله أُسوةً لنا، وأمرنا باتّباعهم، وجعل سيرتهم تحاكي كلَّ فئةٍ عمريةٍ ومجتمعية؛ من الطفولة والشباب، إلى النساء والكهولة.
فقد أعطانا الله بضعةَ النبيّ الزهراءَ عليها السلام مثالاً في العفاف والحجاب والبلاغة، لتكون قدوةً ومناراً للنساء على مرّ الأزمان، إذ جمعت بين العلم والستر دون أن يخلّ أحدهما بالآخر، وبرهنت للعالم أجمع أنّ المرأة قادرة على صون ذاتها وعفّتها بالتوازي مع تمكّنها العلمي والفكري.
أمّا مَن حوى الفضائل والمكارم كلَّها، فكان الصادق الأمين والعالِم المعلِّم الذي نهلت منه البشرية علمها، وثبّت بوجوده دعائمَ الدين.
ومنهم مَن تحمّل ثقل الإمامة ومسؤولية الأمانة الإلهية وهو ابن خمس سنوات، ليعلّمنا أنّ الطفولة لا تقتصر على اللهو واللعب، بل يمكن أن تصبح مغرساً للوعي والمسؤولية.
أمّا باب المراد، فقد جمع بين قوة الشباب وفتنة المال والمكانة، لكنه حمل نفساً طائعةً لله، معصومةً عن الشهوات، ليخبرنا أنّ المال والقوة إذا اجتمعا في مقتبل العمر وجب استثمارهما في خدمة الإسلام وإعانة الفقراء، كما علّمنا أن يُثمر الشباب في طاعة الرحمن، وألّا تأخذ المرءَ العزّةُ بالنفس فيُقاد إلى الإثم.
إنّ سيرة الإمام الجواد عليه السلام تكسر المفهوم الخاطئ الذي يبرّر للشاب طيشه وتمرده بذريعة سنّه، وتدعوه عوضاً عن ذلك إلى الطاعة وبناء الذات. فرغم قِصَر سنيّ عمره الشريف، إلّا أنّها كانت مليئةً بالثمار العطرة والمواقف العظيمة، ليُلهمنا عليه السلام ألّا نضيّع فرصة الشباب في الغفلة، بل نسارع إلى الطاعات، فالأعمار كنوزٌ غير مضمونة البقاء، وخيرُ الناس من اتّقى.
ولم يكن الإمام الجواد عليه السلام يلقى ضغوطاً مالية أو اقتصادية طوال حياته، بل عاش مرفّهاً تحيط به قوة المال والجاه، وكان مسنَداً من السلطة آنذاك، إذ تذكر الروايات أنّ المأمون العباسي جعل له راتباً سنوياً يبلغ نحو مليون درهم، فضلاً عن الحقوق الشرعية كالخُمس وحقّ الإمام، لكنّ هذه الأموال لم تؤثر في نفسه، بل كان يستخدم ما آتاه الله في طاعة الله وخدمة عيال الله.
فقد رُوي أنّه كان يأكل خبز الشعير وملح الجريش، ويجالس الفقراء والمساكين، ولم يتكبّر على أحد، وكان سخياً معطاءً. وروي أنّ الحسين المكاري رآه في بغداد والإمام محاطٌ بالتكريم والتعظيم، فحدّث نفسه ألّا يرجع إلى وطنه، بل يقيم عند الإمام في تلك النعم، فعرف الإمام قصده، فالتفت إليه وقال:
«يا حسينُ، إنَّ خبزَ الشعيرِ وملحَ الجريشِ في حرمِ جدّي رسولِ الله ﷺ أحبُّ إليَّ ممّا تراني فيه».
وعاش الإمام محمد الجواد عليه السلام تلك المدة القصيرة من حياته متجهاً نحو العلم، فرفع مناره، وأرسى أصوله وقواعده، واستثمر مدة بقائه في بغداد بالتدريس وإشاعة العلم وبلورة الفكر بالمعارف والآداب الإسلامية. وقد احتفّ به جمهورٌ كبير من العلماء والرواة، يأخذون منه العلوم الإسلامية؛ من علم الكلام والفلسفة والفقه والتفسير.
(١) قطب الدين الراوندي، سعيد بن عبدالله، الخرائج والجرائح، ج1، ص383.