image

مواسم العطاء: شهر رجب الأصبّ


خلق الله الإنسان وهو أعلم بمكنوناته ونزعاته المادية والروحية، وبحكمته ورحمته الواسعة خصّ له مواسم مختلفة، لتكون متنفسًا للنفس، وراحةً للجسد، وفرصةً لتزكية الروح وإشراق القلب. فجعل في الأشهر الثلاثة: رجب، وشعبان، ورمضان، هدايا وجوائز عظيمة تُمنح دون عناءٍ على العبد؛ فالله ليس بظلامٍ للعباد، بل هو أقرب إلينا من حبل الوريد، ويعلم ما يضرّنا وما ينفعنا.

وهناك حكمة بالغة في ترتيب هذه الأشهر متتالية، لتعويض من غفل عن فرصة أحدها، فتأتي الجائزة والغنائم في الشهر الأخير، ليكتمل فضلها ونعمها.


فضل شهر رجب

ولعظمة هذا الشهر، ينادي الله تعالى يوم القيامة: "أين الرجبيون؟"

روى جعفر بن محمد بن علي (عليه السلام):

"إذا كان يوم القيامة نادى من منادى من بطن العرش: أين الرجبيون؟ فيقوم أناس يضيء وجوههم، وعلى رؤوسهم تيجان الملك مكَللة بالدر والياقوت، ومع كل واحد ألف ملك عن يمينه وألف عن يساره يقولون: هنيئًا لك، كرامة الله عز وجل يا عبد الله. فيأتي النداء من عند الله: عبادي وإمائي، لعزتي وجلالي، لأكرم مثواكم وأجزل عطاكم، وأوتيكم من الجنة غرفًا تجري من تحتها الأنهار، خالدين فيها، نعم أجر العاملين، إنكم تطوعتم بالصوم لي في شهر عظمت حرمتُه وأوجب حقه، ملائكتي أدخلوا عبادي وإمائي الجنة."


وقال أيضًا:

"هذا لمن صام من رجب شيئًا ولو يومًا واحدًا في أوله أو وسطه أو آخره."


وعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

"رجب شهر الله الأصبّ، يصبّ الله فيه الرحمة على عباده، وشهر شعبان تشعّبت فيه الخيرات…"


وفي رواية عن الإمام موسى الكاظم (عليه السلام):

"رجب نهر في الجنة أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، من صام يومًا من رجب سقاه الله من ذلك النهر."

لقد أراد الله تعالى للإنسان السكينة والهدوء والرضا، فجعل للأعمال توقيتات معينة لما لها من أثر روحي ومعنوي في الدنيا والآخرة. والله عز وجل من صفاته الرحمة واللطف والرأفة، وهذه المواسم لها أبعاد عظيمة وكبيرة، وقد أوصى جميع الأئمة (عليهم السلام) بأداء الأعمال المخصصة لها لما لها من تأثيرات عظيمة في حياة الإنسان.


وقد أكد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) على فضل هذا الشهر بقوله:

"رجب شهر عظيم، يُضاعف الله فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، ومن صام يومًا من رجب تباعدت عنه النار مسيرة سنة، ومن صام ثلاثة أيام وجبت له الجنة."


ويُسمّى شهر رجب بـ"الأصبّ" لأن الرحمة تُصب صبًّا على عباده، كما ورد عن النبي الأكرم:

"يُسمّى رجب الأصبّ لأن الرحمة تُصب صبًّا فيه."


فكل هذه الروايات والأحاديث تؤكد عظمة هذا الشهر، وما فيه من فيوضات إلهية على الخلق، وعظيم ثواب القيام بالأعمال المخصّصة له، من صيام وصدقة واستغفار، وزيارة الأئمة (عليهم السلام)، وخصوصًا زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد ورد عن جعفر بن محمد (عليهما السلام):

"من زار الحسين بن علي عليهما السلام أول يوم من رجب غفر الله له البتة."


فالسيئات فيه مغفورة، والحسنات مقبولة، ويتضاعف الأجر والثواب، وأبواب الرحمة مفتحة، والدعاء مستجاب، والسعي في عمل خير مقبول.

: فاطمة الحسيني