image


محطات مفصلية في بناء الرسالة الإسلامية

يُعدّ المبعث النبوي الشريف من أعظم الأحداث في تاريخ البشرية، إذ مثّل نقطة التحوّل الكبرى في مسار الإنسان من الجاهلية والضلال إلى نور الهداية الإلهية. ففي هذا اليوم المبارك بعث الله تعالى نبيَّه محمّد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله) رسولًا إلى الناس كافة، ليبلّغهم رسالة السماء، ويقيم بهم صرح القيم الإلهية والإنسانية.

قال الله تعالى:

{هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}

(سورة الجمعة: 2)

المبعث: بداية النور الإلهي

وقع المبعث النبوي في السابع والعشرين من شهر رجب، قبل الهجرة النبوية بثلاث عشرة سنة، وكان إعلانًا إلهيًا لبداية عهد جديد في تاريخ الإنسانية. ففي هذا اليوم نزل الوحي على قلب النبي الأكرم (صلّى الله عليه وآله) ليحمله مسؤولية الرسالة الخاتمة، ويكون رحمةً للعالمين.

وقد أكدت الروايات الشريفة عظمة هذا اليوم وعلوّ منزلته، فقد رُوي عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليه السلام) أنّه قال:

«بعث الله محمّدًا (صلّى الله عليه وآله) رحمةً للعالمين في سبعٍ وعشرين من رجب، فمن صام ذلك اليوم كتب الله له صيام ستين شهرًا».

(الكافي، ج4، ص149)

كما ورد عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنّ العبادة في هذا اليوم لها خصوصية عظيمة، لما يحمله من رمزية الانطلاق الرسالي والارتباط المباشر بالوحي الإلهي.

الإسراء والمعراج: العروج من الأرض إلى السماء

ومن الأحداث العظيمة المرتبطة بالمبعث النبوي، حادثة الإسراء والمعراج، حيث أسرى الله تعالى بنبيّه ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السماوات العُلى، فأراه من آياته الكبرى، كما جاء في قوله تعالى:

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى}

(سورة الإسراء: 1)

وقد وقع الإسراء والمعراج – على التحقيق – في شهر رمضان المبارك، بعد المبعث النبوي ببضع سنوات، وكان معراجًا فريدًا جمع بين الإعجاز الإلهي والتكريم الربّاني لرسول الله (صلّى الله عليه وآله).

تعدد المعارج وأهمية الولاية

تشير الروايات إلى أنّ معراج النبي (صلّى الله عليه وآله) لم يكن مرة واحدة فقط، بل تكرر مرات عديدة، فقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام):

«عُرِج بالنبيّ (صلّى الله عليه وآله) إلى السماء مائةً وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله عز وجل فيها النبيَّ بالولاية لعليٍّ والأئمة (عليهم السلام) أكثر مما أوصاه بالفرائض».

(علل الشرائع، ص149)

وهذا يدل على مركزية الولاية في بنية الرسالة الإسلامية، وكونها امتدادًا طبيعيًا للنبوة في حفظ الدين واستمرارية الهداية.

فاطمة الزهراء (عليها السلام) ثمرة المعراج

ومن الروايات المؤثرة المرتبطة بحادثة المعراج، ما ورد عن النبي (صلّى الله عليه وآله) في بيان مقام السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، حيث قال إن أصل تكوينها المبارك ارتبط بما رآه في الجنة أثناء المعراج، مما يكشف عن بعدها الروحي والغيبي، ومكانتها السامية في منظومة أهل البيت (عليهم السلام).