image

ليس كل ما ينتشر صحيحًا، وليس كل ما هو دارج يشبهنا. نشأنا في عالم يعلّمنا كيف نلبس وكيف نتصرف، ويحدّد لنا ما نسمّيه حرية وما نضعه في خانة التخلّف، لكنه نادرًا ما يعلّمنا أن نتوقف ونسأل: هل هذا اختياري فعلًا، أم أنه نموذج جاهز وصلني دون وعي؟

التقليد قد يكون مرحلة طبيعية، لكن الخطر الحقيقي حين يتحوّل إلى أسلوب حياة، حين نغيّر ذواتنا لنرضي الذوق العام، ونقنع أنفسنا أن الاختلاف ضعف، وأن الاحتشام عودة إلى الوراء. وهنا يبرز السؤال الأهم: إلى متى نركض خلف الموضة، ومتى نصنع نحن أسلوبنا؟

الحجاب واللباس المحتشم لم يكونا يومًا صراخًا في وجه العالم، بل كانا حضورًا هادئًا يقول: أنا أعرف نفسي، ولا أحتاج أن أتشابه مع غيري كي أُقبَل. الغريب ليس أن تُناقَش هويتنا، بل أن يُطلَب منا دائمًا أن نتخفف منها، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها تصنع إنسانة صعبة التشكيل، إنسانة لها حدود، ولها قرار.

الاستقلال الحقيقي لا يعني أن نخلع كل شيء ولا أن نلبس كل شيء، بل أن نختار بوعي، حتى لو كان اختيارنا مختلفًا، وحتى لو لم يصبح رائجًا. فلماذا نعلّم بناتنا ملاحقة الصورة، ولا نعلّمهن صناعة الحضور؟ ولماذا نقنعهن أن التأثير يعني التشبّه لا الثبات؟

الحجاب حين ينبع من وعي يتحوّل إلى قوة ناعمة؛ لا يفرض نفسه، لكنه يفرض احترامه، ويجعل الآخرين يتساءلون لا: لماذا لبستِ؟ بل: لماذا أنتِ واثقة؟ القضية ليست معركة ولا تحدّيًا مع أحد، بل أن تفهم الفتاة أن قيمتها لا تُباع، وأن جسدها ليس إعلانًا، وأن هويتها شيء يستحق الحفظ.

قد يكون التقليد أسهل الطرق، لكن الأجمل والأقوى أن نكون نحن الطريق. ليس المطلوب أن تكون كل فتاة نسخة واحدة، بل أن تكون نسخة صادقة من نفسها، وإن كان الحجاب جزءًا من هذا الصدق، فهو اختيار يستحق الاحترام لا السخرية.