يعد الوعي الفكري جزءًا لا يتجزأ من منظومة العلم الكبرى، فبدونه تبقى كل التجليات ضعيفة في السمو، ومع تسارع عجلة الزمن يسعى المجتمع الرقمي لرسم صورة الواقع بألوان صاخبة، مليئة بالزيف وتغيرات أولويات الحياة.
يظن الكثيرون أن قشور الحداثة تمثل الترف الفكري والمعنوي المطلوب، لكنها تدريجيًا تجرد الإنسان من جوهره الداخلي، رغم ما ميزه الله به من عقل وشكل قويم، فقيمته الحقيقية لا تقاس بما يمتلك، بل بما يمنحه ويحمله.
إن كثرة استخدام وسائل الترفيه الرقمية تدفع الإنسان نحو الضياع وفقدان الهدف، وتجعله يسير وفق رغبات مفروضة عليه، غير مدرك أن ما يراه ليس حقيقيًا بقدر ما هو فلتر مشبع بالاستقطاب والتنميق.
للعالم الرقمي تأثير كبير في خلط الحاجة بالرغبة، والمادة بالروح، بحيث أصبح التفريق بينهما صعبًا. ما يحتاجه الإنسان ضروري لوجوده، وما يرغب به مجرد رفاهية مصطنعة. ونتيجة لذلك، أصبحت المادة مهيمنة على الروح، وأهملت الروحانيات والذكر التي تبث الطمأنينة في الصدور، كما ورد في القرآن الكريم:
"ألا بذكر الله تطمئن القلوب"
عندما يُهجر القرآن وتُغفل الأذكار، يساعد التحول الرقمي في تسليط الضوء على زيف المعنويات ووفرتها كوسيلة مزيفة لتحقيق السعادة، مما يخل بميزان الفكر والقيم.
دور الأسرة هنا محوري. فعندما تُمسك الأسرة بالعصا من منتصفها، تمنح الأبناء القدرة على التحكم في رغباتهم وتمييز النافع من الضار، من خلال وضع نظام لكل فرد وتحميله مسؤولية نفسه. بهذا، يتعلم الفرد حسن التعامل واختيار الأفضل، ويقل الضغط على الميزانية الأسرية، كما يُتاح له الفرصة لعدم الانجرار وراء كل ما هو جديد ومثير.
لكن عندما يغيب الوعي كقائد، تصبح استقرار الأسرة مرهونًا بوفرة المادة، فيسعى رب الأسرة لجمع المال لتحقيق الاستقرار المادي، لكنه يظل عاجزًا عن الوصول للراحة الحقيقية والقناعة، كما ورد في الحديث القدسي:
"أوحى الله تعالى إلى داود (عليه السلام): وضعت الغنى في القناعة، وهم يطلبونه في كثرة المال فلا يجدونه."
وعندما تهتز القاعدة، يفقد الهيكل اتزانه. فلا يمكن إصلاح أمة ما لم يصلح الفرد ذاته أولًا. في المجتمع المعاصر، الغرق في السطحية والتفاهة عبر وسائل التواصل الاجتماعي يُصيب الأفراد بوهم السرعة والمتعة، ويؤدي إلى بيوت خالية من المودة والحب والكلمة الحسنة، فهذه البيوت لا تدوم طويلًا.
الإنسان، ككائن بشري، لا تغنيه الماديات عن المعنويات، فهو بحاجة إلى حضور كامل وشعور دائم بالسلام الداخلي. ولا بد من إدراك حقيقة السعادة، التي تتحقق بالقرب من الخالق، والفوز برضا الله، كما أشار الإمام علي عليه السلام:
"إنما السعيد من خاف العقاب فأمن، ورجا الثواب فأحسن، واشتاق إلى الجنة فأدلج."
لذلك، علينا أن نسعى لتقويم معايير حياتنا، واستبصار ما يحدث حولنا، والتعامل بوعي وإدراك، لنحظى بالسعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة.
: بتول علاء الطرفي