image

إنَّ التمييز بين الأبناء، سواء كان مقصودًا أو غير مقصود، يُعد من أكثر الأساليب التربوية التي تترك أثرًا نفسيًا عميقًا داخل الأسرة. فحين يشعر أحد الأبناء بأن أخاه يحظى باهتمام أو حب أو تقدير أكبر، تتكون لديه مشاعر داخلية مؤلمة تتمثل في الإحساس بالرفض أو النقص أو فقدان الأمان العاطفي، حتى وإن لم يُفصح عنها بشكل مباشر.

فالطفل لا يقارن من الجوانب المادية فقط بقدر مقارنه بنظرات الاهتمام، وطريقة الحديث، ووقت الاحتواء، وحجم الدعم الذي يتلقاه. وعندما تتكرر مشاعر التفرقة، قد تتحول إلى غيرة مكبوتة أو غضب داخلي يظهر على هيئة سلوكيات عدوانية، أو عناد، أو مشكلات مستمرة، أو انسحاب وصمت وحزن، تبعًا لطبيعة شخصية الطفل وعمره.

كما أن الطفل الذي يشعر بأنه أقل قبولًا داخل أسرته قد يفقد ثقته بنفسه تدريجيًا، ويبدأ بتكوين صورة سلبية عن ذاته، معتقدًا أنه أقل قيمة أو أقل استحقاقًا للحب من غيره. وفي المقابل، فإن الإفراط في تفضيل أحد الأبناء قد يجعله أكثر ميلًا للأنانية أو التسلط أو الشعور بأنه دائمًا الأحق بالاهتمام.

وقد تظهر التفرقة أحيانًا من خلال تفضيل الذكر على الأنثى، ومنح الولد حرية واهتمامًا أكبر، الأمر الذي يترك آثارًا نفسية وتربوية على الطرفين؛ فالابن قد يعتاد الشعور بالتفوق والسيطرة، بينما تعيش الفتاة شعورًا بالتقليل من قيمتها أو ضعف تقدير الذات. ومع استمرار هذا الحرمان العاطفي، قد تصبح أكثر احتياجًا للاهتمام الخارجي والبحث عن القبول من الآخرين لتعويض النقص الذي افتقدته داخل الأسرة.

ومن المهم إدراك أن كثيرًا من السلوكيات المزعجة لدى الأبناء لا تكون نابعة من سوء أخلاق أو تمرد بقدر ما تكون رسالة نفسية تعبّر عن حاجة عاطفية غير مشبعة، أو عن ألم داخلي لم يجد من يفهمه أو يحتويه.

لذلك، فإن العدالة بين الأبناء في الحب والاهتمام والاحتواء تُعد من أهم أسس التربية السليمة، لأنها تبني داخل الطفل الشعور بالأمان والانتماء والثقة بالنفس، وتُسهم في تكوين علاقات أسرية صحية ومستقرة قائمة على المودة والرحمة والاحترام.

: تحرير /فاطمة الحسيني