قد يثير هذا السؤال تساؤلاتٍ عديدة في أذهان الآباء والأمهات: هل نحن من نزوّج ابنتنا، أم أن الزواج يتم وفق معايير تفرض نفسها؟ وهل هناك استحسان وضوابط معيّنة لاختيار الزوج المناسب للبنت؟
نعم، يضع الناس اليوم، كما في الماضي، معاييرَ وشروطًا للخطبة والزواج، اجتماعيةً واقتصاديةً ومالية، تُطرح عند التقدّم للخطبة. بل إن الفتاة تُلقَّن منذ طفولتها هذه المعايير، ويُرسَّخ في ذهنها القبول بها، وقد تسمع كثيرًا من الأهل والأقارب عبارات مثل: “تستحقين الأفضل من المستوى المادي والاجتماعي”، مما قد يُشكّل صورة غير دقيقة عن حقيقة اختيار شريك الحياة.
بينما وضع الله تعالى نموذجًا قويمًا وأساسًا متينًا يصلح لكل زمان ومكان، يُهتدى به في بناء الأسر والشباب والفتيات وكل من يريد الزواج. وإذا أردنا أن نبحث عن القدوة الأكمل، فإننا نجدها في النموذج الإلهي المتجسّد في زواج النورين: عليّ وفاطمة عليهما السلام.
فالرسول الكريم صلى الله عليه وآله، حين ربّى فاطمة الزهراء عليها السلام وأحاطها بالقيم النبوية المحمدية، أراد لها الأفضل والأكمل، لأنها بضعة منه وروحٌ من روحه. وقد تقدّم لخطبتها سادة وزعماء من قريش وغيرهم ممّن كانوا يمتلكون المكانة والسيادة، لكن النبي صلى الله عليه وآله لم يقبل.
ولو وُضعت أنت أيها الأب أو الأم في الموقف نفسه، وجاء من يتقدّم لابنتك بمكانة اجتماعية وقدرة مالية، فهل سيكون هذا وحده كافيًا للقبول؟
لكن النبي صلى الله عليه وآله اختار أمير المؤمنين عليًا عليه السلام، وهو يعلم بعلم الله أنه الأكفأ والأصلح لفاطمة الزهراء. ولم تكن المعايير دنيوية، بل كانت ربانيةً خالصة، لتأسيس أسرة صالحة احتضنت نور الإمامة، وكانت امتدادًا لمسيرة الهداية.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه». وهذا هو المعيار الذي طبّقه في زواج ابنته، إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام لا يملك من المال إلا سيفه ودرعه، ولمّا أراد النبي أن ييسّر أمر الزواج قال له: “أما سيفك فاحتجت إليه في الجهاد، وأما درعك فبعها”، فكان المهر درعًا بثمنٍ يسير.
ولو جاء من يحمل صفات مالية مشابهة، فهل يُقدَّم وحده لتزويج ابنتك، أم أن هناك اعتبارات أخرى تُثقل القرار؟
ولا يمكن بأي حال من الأحوال قياس زواج أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء بأي زواج آخر، فهو اختيارٌ إلهيّ خاص، لكن الله تعالى جعلهما أسوةً حسنةً يُقتدى بها في معايير الاختيار الصحيح.
فإذا كان الشاب على مستوى رفيع من الخلق والدين والأمانة، لا مجرد مظهرٍ ظاهري، فإنه سيكون أهلًا لحفظ الأمانة وصون الوديعة، كما فعل سيد الأوصياء مع البتول الطاهرة.
لقد أراد الله اليسر لا العسر، وجعل في كل مرحلة من حياة الإنسان نماذج متكاملة يُهتدى بها لتسهيل الطريق. وحتى في سيرة الأئمة الأطهار، نجد أن الزواج كان يقوم على الإيمان والتقوى والورع، لا على الطبقات والمظاهر.
إن هذه القيم هي الأقوم لبناء أسرةٍ صحيحةٍ مستقرة، خالية من النزاعات والاضطرابات التي تنشأ غالبًا من غياب المعايير الصحيحة في الاختيار.
وقد يتساءل الأب: هل أزوّج ابنتي لأي أحد؟
والجواب: ليس الأمر كذلك، بل لا بد من توفر الكفاءة الدينية والخلقية أولًا، مع اعتبار الأصل الطيب، أما الجانب المالي فليس معيارًا حاسمًا، فالرزق بيد الله تعالى، وهو المتكفّل بالعباد من بدء حياتهم إلى نهايتها.
فالله سبحانه هو الرزّاق، يُعطي ويمنع بحكمة، ولا معقّب لحكمه، وإذا أراد شيئًا فإنما يقول له كن فيكون، وكل أمرٍ عنده بتدبيرٍ وعلمٍ وحكمة.