تمثل السيدة رقية (عليها السلام) صورةً مؤلمة لامتزاج المعاناة النفسية بالإيمان العميق. فبعد أن شهدت مقتل أبيها الإمام الحسين (عليه السلام)، وعاشت تجربة الأسر والتنقل القسري وما رافقها من خوف وجوع وإرهاق، بلغت ذروة الصدمة عندما رأت رأس أبيها الشريف في خرابة الشام. ووفقًا للروايات الشيعية التي تذكر هذه الحادثة، فقد شكّل هذا المشهد قمة الفاجعة التي لم يحتملها قلب طفلة صغيرة، حتى تُنقل الروايات أنها فارقت الحياة بعده.
فمن الناحية النفسية، يمكن فهم ما مرت به السيدة رقية (عليها السلام) على أنه تدرج في الاستجابة الانفعالية؛ إذ بدأت بمشاعر الحزن لفقد الأب، ثم تعمق هذا الحزن إلى الأسى واللوعة والكمد، حتى بلغ حدَّ الفجيعة النفسية أمام المشهد الصادم، وهو تسلسل يعكس شدة الألم الإنساني الذي قد يمر به الطفل عند التعرض لصدمات متلاحقة. وفي ضوء علم النفس الحديث، فإن التعرض المتكرر لأحداث شديدة القسوة في فترة زمنية قصيرة، مع غياب الشعور بالأمان والاحتواء، قد يرتبط بما يُعرف بـالصدمة النفسية المركبة، وهي حالة تؤثر بعمق في التوازن النفسي والانفعالي للطفل.
فالطفل في سنواته الأولى يرتبط بوالديه ارتباطًا عاطفيًا عميقًا، ويُعد الأب مصدرًا للأمان والحماية والاستقرار. وعندما يُفقد هذا المصدر بصورة عنيفة ومروعة، فإن الطفل قد يمر بحالة من الاضطراب والانهيار الانفعالي، ولا سيما إذا تزامن ذلك مع الخوف والأسر والحرمان.
إن بكاء السيدة رقية (عليها السلام) المتواصل، ومناداتها لأبيها، وتعلقها الشديد به، لا يُفهم بوصفه مجرد تعبير عن الشوق، بل يعكس عمق الرابطة العاطفية بين الطفلة ووالدها. وعندما وُضع رأس الإمام الحسين (عليه السلام) أمامها، واجهت الحقيقة المؤلمة بصورة مباشرة، فتحول الأمل الذي كانت تتشبث به إلى يقين بالفقد، وهي لحظة تُعد من أقسى صور الصدمة النفسية التي قد يتعرض لها الطفل. ومن المنظور الإسلامي الشيعي، تجسد هذه الواقعة مظلومية أهل البيت (عليهم السلام)، وتؤكد أن آثار الظلم لا تقتصر على الجسد، بل تمتد إلى النفس الإنسانية، لتبقى السيدة رقية (عليها السلام) رمزًا خالدًا لبراءة الطفل، وللألم الذي تحمله أهل البيت (عليهم السلام) في سبيل حفظ رسالة الإسلام وقيم الحق والعدل.
: تحرير /فاطمة الحسيني