image

في ذكرى زواج النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) من السيدة خديجة الكبرى (عليها السلام)، ذلك الزواج المبارك الذي كان من أسمى صور الوفاء والتضحية والنصرة، نقف أمام محطةٍ مضيئة من حياة رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع السيدة خديجة (عليها السلام)، المرأة التي آثرت رسول الله (صلى الله عليه وآله) على نفسها ومالها، ووقفت إلى جانبه في أصعب مراحل الدعوة، حتى أثمر هذا الاقتران المبارك عن سيدة نساء العالمين، فاطمة الزهراء (عليها السلام).

 

ولا شك أن الزواج ليس مجرد اقتران شخصين، ثم الشروع في أداء المسؤوليات والحقوق والواجبات، وإن كانت تلك من أسسه وضروراته، وإنما هو أسمى من ذلك بكثير؛ فهو مشروع إنساني ورسالي، يقوم على السكن والمودة والرحمة، ويمنح الإنسان مساحةً من الأمن والاستقرار والتكامل. ولذلك وردت أحاديث كثيرة تحث على الزواج وترغّب فيه، لما يحققه الزواج الصالح من آثار واسعة في حياة الإنسان، على المستويات النفسية والجسمانية والسلوكية والمادية، فضلًا عن دوره في صيانة الفرد من الانزلاق في منحدرات الحرام والرذيلة.

فالزواج في جوهره، مشروع إلهي مقدس، يحقق للإنسان الأمن والاستقرار، ويعزز الجوانب الإيجابية في شخصيته وحياته. ولكي يحقق الزواج هذه الغايات، لا بد أن يصل الإنسان قبل الإقدام عليه إلى قدرٍ من النضج العقلي والجسدي والديني، وأن يتعرّف إلى حقيقة الحياة الزوجية، وما تقوم عليه من مسؤوليات، وما قد يواجهه الزوجان من مشقات وتحديات؛ لأن الزواج، مهما كان حسن اختيار الشريك، لا يخلو من محطات تحتاج إلى الصبر والتفاهم والتعاون والتنازل المتبادل.

ولعلّ في سيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والسيدة خديجة (عليها السلام) خير شاهد على ذلك؛ فقد كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أشرف الخلق، وكانت السيدة خديجة (عليها السلام) من أشرف نساء قريش، وأعظمهن مكانةً وجاهًا، ومع ذلك لم تخلُ حياتهما الزوجية من الابتلاءات والصعوبات، ولا سيما بعد بعثة النبي (صلى الله عليه وآله) وانطلاق الرسالة الإسلامية.

فحين واجه رسول الله (صلى الله عليه وآله) سخرية قومه وتكذيبهم، واشتدّت عليه حملات الأذى، واتُّهم بالكذب والخرافة، وكان القوم يعيشون في جاهلية فكرية واجتماعية قاسية، لم يجد في تلك المحن سندًا أعظم من زوجته خديجة (عليها السلام) وابن عمه الإمام علي (عليه السلام). فكانت خديجة الحضن الدافئ الذي يأوي إليه، والقلب الذي يصدّقه، والروح التي تؤازره، والسند النفسي والعاطفي والمادي الذي وقف إلى جانبه في طريق الدعوة.

وسخّرت كل أموالها وإمكاناتها في نصرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ودعم رسالته، وقدّمت من أجل دين الله كل ما تستطيع، حتى أصبحت شريكةً حقيقيةً في حمل أعباء الرسالة، زوجٍة ترافق النبي في حياته في كل مراحلها

ومن هنا، تتحول صورة ذلك البيت النبوي المبارك إلى درسٍ خالد لكل زوجة وزوج؛ درسٍ في معنى المؤازرة الحقيقية حين تشتد المحن، وفي كيفية أن يكون أحد الزوجين للآخر سكنًا وسندًا لا عبئًا إضافيًا. فكما وقفت السيدة خديجة (عليها السلام) إلى جانب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شدائده، ينبغي للزوجة أن تكون عونًا لزوجها في محطات حياته، وأن تمنحه الثقة والدعم حين تشتد عليه الأزمات، كما ينبغي للزوج أن يكون لزوجته السند الذي تستند إليه حين تواجه صعوبات الحياة.

إنّ عظمة السيدة خديجة (عليها السلام) لا تكمن في كونها زوجة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وانما في موقفها من الرسالة، وثباتها في المحنة، وإيمانها، وتضحيتها، وإيثارها، حتى أصبحت نموذجًا خالدًا للمرأة الرسالية التي تعرف متى تساند، وكيف تواسي، وأين تقف عندما تشتد العواصف.

وهنا تبرز مسؤولية الأسرة المسلمة اليوم في مواجهة الموجات الفكرية والسلوكية التي تعصف بالمجتمع؛ فلا يكفي أن نبني بيتًا قائمًا على العلاقة الزوجية، بل ينبغي أن نبنيه على الوعي والإيمان والحوار والتعاون، وأن يتخذ الزوجان من سيرة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) والسيدة خديجة (عليها السلام) قدوةً يُحتذى بها، فيصمدان أمام التحديات، ويتعاونان على حماية أسرتهما من الأفكار والسلوكيات المنحرفة، حتى لا تقود تلك الموجات أبناءهما وأسرتهم إلى الهاوية.


: تحرير /فاطمة الحسيني