عن الإمام الصادق عليه السلام:
} اَلْغَضَبُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ { ([1]) .
مباحث الرواية الصادقية
الغضب من الصفات الأخلاقية المذمومة الذي نهت عنه الشريعة الإسلامية، حيث عرّف علماء الأخلاق الغضب بأنّه: “ثوران القوّة (والنُّفور) على الغير لقصد الانتقام والتَّشفّي”([2]) .
وإني تعمدت طرح هذا الموضوع لأن الغضب يفتح أبواب الشر على الغاضب وعلى المغضوب عليه وعلى الآخرين، لكون الغضب يدفع لارتكاب المحرمات كالسب والشتم والصراخ والضرب والغيبة والنميمة وقطع صلة الرحم وعقوق الوالدين بل قد ينتهي إلى القتل وشن الحروب وغيرها
ويعتبر الغضب من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى انهيار الأُسر؛ لأنه يولد المشاكل الزوجية التي ينتهي بعضها إلى الطلاق، وأتذكر في إحدى الندوات أجريت إحصائية عن أكثر أسباب المشاكل الزوجية، فتبين أن أكثر من 90% كانت بسبب الغضب.
وإذا كان الوالدان يعبّران عن غضبهما بوسائل مرفوضة من ناحية شرعية أو تربوية فهما مربيان غير مؤهلين للتربية؛ لكون الغضب سيبّعد المسافة فيما بينهما، ويدفع الأولاد إلى التمرد والعناد، وإلى الكذب وارتكاب المحرمات للانتقام وللتنفيس عن النفس، بل أن الغضب مرفوضٌ حتى من ناحية قانونية وبالأخص لمن يسكن في بلاد الغرب؛ لأنه سيترتب عليه سحب الأولاد من أهاليهم وبالتالي ضياعهم.
المبحث الأول: أنواع الغضب
أن الناس في قوة الغضب على إفراط وتفريط واعتدال، فالغضب لو كان معتدلا فهو الممدوح الذي حثت عليه الشريعة، بينما لو أفرطنا أي بالغنا في الغضب فزاد عن حد الاعتدال صار مذموماً، وأيضا يكون مذموماً فيما لو فرّطنا أي أهملنا وقصّرنا في الغضب، وكل مذموم نهتنا عنه الشريعة.
ولكن يا ترى ما المقصود بالإفراط والتفريط والاعتدال؟
الجواب: أما الإفراط في الغضب أي الزيادة والمبالغة عن حد الاعتدال، فمبدؤه شهوة الانتقام، وإذا اشتدّ الغضب فإنّه يستر نور العقل، ويضعّف فعله فيخرج عن طاعة الشرع، فلا تؤثّر الموعظة في صاحبه، بل تزيده غلظة وشدة ([3]) . وهذا هو الغضب المذموم الذي نهت عنه الشريعة؛ لكونه يدفعه لارتكاب المحرم (فلعله يتفوه بما فيه الارتداد، أو سب الأنبياء والأولياء والعياذ بالله وهتك الحرمات الإلهية، وخرق النواميس المقدسة، وقتل الأنفس الزكية، والافتراء على العوائل المحترمة والتسبب لها بالعار والذل، ويقضي على النظام العائلي بكشف الأسرار وهتك الأستار، وغيرها من المفاسد التي لا تحصى، لقد وقعت أفظع الفتن، وارتكبت أفجع الأعمال بسبب الغضب واشتعال ناره الحارقة)([4])، ورد في الحديث الشريف عن أبي عبد الله عليه السلام: “الغضب يفسد الإيمان كما يفسد الخل العسل”([5]) .
وهناك من يغضب للباطل، كالزوج الذي يغضب على زوجته لأنها طلبت منه النفقة الواجبة، وهذا إثمه مضاعف لأنه آثم لكونه لم ينفق عليها، وآثم إذا أدخله الغضب في الحرام.
وهناك من يغضب للحق ولكن الوسائل المعبّرة عن الغضب غير شرعية وغير تربوية كالصراخ والتهديد واستخدام ألفاظ بذيئة، كالمربي الذي يغضب على ولده بسبب ارتكابه الخطأ أو المحرم، في حين أنه يستطيع أن يربيه بأساليب التحبيب والترغيب، وإذا لم تنفع يربيه على أساليب التربية بالعقاب كالحرمان والتأنيب وغيرها من الأساليب المشروعة.
وأما التفريط في الغضب أي الإهمال والتقصير في الغضب، فيضعف لديه ويصبح كالنار تحت الرماد، بحيث لا يغضب عمّا ينبغي الغضب عليه شرعا وعقلا.
وهذه الصفة مذمومة، ويذكر العلماء ومنهم الشيخ النراقي رحمه الله([6])، بأن التفريط في الغضب معدود من الجبن والمهانة، وربما كان أخبث من الغضب، إذ الفاقد لهذه القوة لا حمية له، كمن يرى من يعتدي على ماله وعرضه ودينه ووطنه وهو ساكت لا يحرك ساكنا، ولا يغضب لله تعالى ولا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، ولما تعاتبه يقول-باللهجة العراقية-(شلي كار وشعليه)، فهؤلاء محاسبون، روي عن الإمام الباقر عليه السلام: ” أوحى الله تعالى إلى شعيب النبي: إني معذب من قومك مائة ألف: أربعين ألفا من شرارهم وستين ألفا من خيارهم، فقال: يا رب هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عز وجل إليه: داهنوا أهل المعاصي فلم يغضبوا لغضبي ” ([7]).
ومن آثار التفريط وإهمال الغضب هو ما نشهده في الآونة الأخيرة من انتهكات عديدة لحرمات الله، تمارس جهرة كحرق القرآن، وكانتشار الشذوذ الجنسي، والتخنيث، والسفور والتبرج وغيرها، لدرجة أدت إلى انعدام الغيرة على الحرام، وقد أطلقت الشريعة عليه بالرجل الديوث الذي يرى زوجته أو ابنته أو أخته تخرج متبرجة وهي كاشفة عن محاسنها ومفاتنها للرجال الأجانب وهو ساكت أو يفتخر، روي عن النبي صلى الله عليه وآله: “…وأيما رجل تتزين امرأته وتخرج من باب دارها فهو ديوث ولا يأثم من يسميه ديوثا، والمرأة إذا خرجت من باب دارها متزينة متعطرة والزوج بذلك راض يبني لزوجها بكل قدم بيت في النار….، احفظوا وصيتي في أمر نسائكم حتى تنجوا من شدة الحساب، ومن لم يحفظ وصيتي فما أسوء حاله بين يدي الله”([8]) .
وأما الاعتدال في الغضب فهو “الغضب الممدوح” ، وهو الغضب الذِّي ينتظر إشارة العقل والدّين، فينبعث حيث تجب الحميّة، وينطفئ حيث يحسن الحلم، وحفظه على حدّ الاعتدال هو الاستقامة التي كلّف الله تعالى بها عباده([9])، وهو الوسط الذي وصفه الإمام الكاظم عليه السلام: خير الأمور أوسطها ([10]).
بشرط أن تكون الوسائل المستخدمة حين الغضب وسائل مشروعة لا تخرجه من الحق، روي عن الامام أمير المؤمنين S: “المُؤْمِنُ إِذَا غَضِبَ، لَمْ يُخْرِجْهُ غَضَبُهُ مِنْ حَقٍّ”([11]) كالغضب لأجل نصرة الدين وأهله، وللدفاع عن النفس والعرض والشرف والوطن، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتنفيذ الحدود والتعزيزات والجهاد ضد الأعداء ودفع المؤذيات والمضرات عن الفرد والمجتمع كانتزاع حقٍّ مغصوب، أو لرفع ظلم، أو للدفاع عن أرض المسلمين المستباحة من العدو، وقد وصف الله خيار الصحابة بالحميّة والشدة، فقال: } أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ { ([12])، وخاطب نبيه ﷺ بقوله: } وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ۚ { ([13])، والشدة والغلظة من آثار قوة الغضب، بل هو من الشجاعة. ففقد هذه القوة بالكلية، أو ضعفها مذموم.
إذن نفهم من ذلك أن الغضب المعدود من الرذائل هو حدّ الإفراط أي الزيادة والمبالغة عن حدّ الاعتدال الذي يخرجه عن مقتضى العقل والدين، بينما حدّ التفريط أي ترك الغضب لله وإن كان رذيلة إلا أنه لا يسمى غضبا، بل هو ضد له معدود من الجبن، في حين أن حد الاعتدال هو الذي يعتبر فضيلة وضد له ومعدود من الشجاعة، فانحصر الغضب بالأول، أي الذي فيه إفراط، فلذا النصوص الشرعية التي ذمت الغضب تقصد هذا النوع ونحن بلهجتنا نسمي الغضوب ب”العصبي”، وفي اصطلاح علماء النفس: هو انفعالٌ وتوتّرٌ نفسيٌّ، تصحبه متغيّرات فسيولوجية (بدنية)، تثيره دوافع داخلية، ومثيرات خارجية مادّية ومعنوية مؤذية، ويميل الفرد أثناء الغضب إِلَى العدوان، وقد ينغمس فيه بحسب الدرجة والموقف المتأزّم عبر صورٍ عديدة، منها([14]):
1-إيماءات جسدية، كتعابير الوجه وحركة اليد الدالة على السخط.
2-لفظيّة، كتوجيه النقد الجارح، الإهانات، الهزء والسخرية، وما شابه ذلك.
3-الاعتداء المباشر، والإيذاء الجسدي، وتهشيم الممتلكات.
وبالتالي فإن صور الغضب تدفع إلى أبواب أخرى من الشر كالقتل والسرقة والكذب والغيبة والنميمة والبهتان وغيرها. إذا فهمتم ذلك ستفهمون معنى قول الإمام الصادق بأن ” اَلْغَضَبُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ “([15]) .
ولذا لزم أن نحذر من ردود أفعالنا أثناء الغضب، فإذا غضب أحد الزوجين فلا يقرر إلا حينما يكظم غيظه ويهدأ، والأبوان لا يربيان أولادهم عند الغضب لأن ذلك يعتبر علامة على فشلهما، فالمربي الناجح هو الذي لا يربي عند الغضب، روي عن أمير المؤمنين عليه السلام:” لا أدب مع غضب “([16]) .
المبحث الثاني: كيف نتحكّم بالغضب؟
لا بد للإنسان أن يتعلّم كيف يتحكم بغضبه؛ لكي يعيش بسلام مع نفسه ومع الآخرين ويتجنب أغلب المشاكل الزوجية والأسرية والمهنية وغيرها، ولذا إذا أراد المربي أن يحافظ على أطفاله وأولاده فلا بد أن يبدأ بتغيير نفسه أولاً بأن يتحكم بغضبه، قال تعالى: } إِنَّ اللَّـهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم { ([17]) .
وسأذكر لكم أهم النقاط التي تنفعكم في التحكم بالغضب، والتي ننصح بتدوينها في ورقة والرجوع إليها لتتذكروها حال الغضب، والنقاط هي كالتالي:
1. احرص على السكوت والابتعاد عن المكان: فأول خطوة لكظم الغيظ هو تدريب النفس على السكوت حال الغضب والابتعاد عن مكان الذي غضبت فيه حتى تهدأ، والأفضل -إذا كان الولد هو السبب في غضب المربي-أن يخبر المربي ولده بأنه غاضب عليه ولا يريد الآن أن يتخذ قرارا لتأديبه، فالهدف من تأجيل قرار التأديب حتى لا يكون قرار المربي ظالما، بل عادلا، وفي مثل هذه المواقف فالمربي يربى ابنه على أمرين، الأول أن الإنسان وقت الغضب ينبغي أن لا يتخذ قرار سريعا حتى يهدأ، والأمر الثاني أنه يوجه رسالة له بأنه-المربي- إنسان قوي، فقد روي عن الإمام علي عليه السلام: ” أقوى الناس من قوي على غضبه بحلمه” ([18]).
نعم هناك بعض الأشخاص لما يبتعدوا عن المكان لا يسكتوا بل يبقى يتكلم على الطرف الآخر والنار تغلي في قلبه!! ، فهنا لزم أن نعرف أن الابتعاد وحده لا يكفي، بل يلزم أن يكون مقترناً بالصمت بالسكوت إلى أن يهدأ، وهذا الأمر جدا مهم، عن أمير المؤمنين عليه الإسلام بقوله: «داووا الغضبَ بالصمت» ([19]). ولكي تحقق ذلك لزم أن تدرب نفسك بأنك عند الغضب لا ترد على الذي غضبت عليه، ولو بأن تشغل لسانك بالعدّ من الواحد إلى الثلاثين، وإذا لم تؤثر فيك فطوّل الفترة وعدّ إلى المائة. والأفضل استبدال العدّ بالأرقام ببعض الأذكار، كأن تقول: «أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجِيمِ»30مرة، و «لا حَولَ وَلا قُوَّةَ إلاّ بِاللهِ العَلِّي العَظِيمِ»30 مرة، و«اللهم صلِ على محمد وآل محمد» أربعين مرة، فيكون المجموع (100)، فأمثال هذه الأذكار لها دور في التنفيس عن الغضب، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ﴾([20]) .
شجع نفسك وأولادك بأن من يفعل ذلك هو المؤمن القوي، وبأن الإنسان القوي ليس هو القوي بعضلاته وبالمصارعة، بل القوي هو المتحكّم بغضبه، روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ” ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” ([21]).
وحينما يرى المربي وولده اثنين أحدهما غضب فاعتدى على الآخر، والثاني تحكّم بغضبه، فليسأل المربي ولده: “أيهما الأقوى؟”، فإذا قال الأول فصحح معلومته وذكّره بحديث رسول الله صلى الله عليه وآله، وإذا قال الثاني، فامدح ولدك كقولك “أحسنت”، فهذا سيدفعه للتحكم بغضبه.
2. تذكُّر سلبيَّات الغضب: استثمر فرصة الصمت والسكوت بأن تذكُر مساوئ الغضب وأخطاره وآثاره، وعواقبه الوخيمة على الإنسان، فهذا يشكل حافزاً قويّاً لردعه، ويساهم في تقوية إرادته، ولو بأن تجبر نفسك وتبحث في المتصفح الإلكتروني عن ذلك، كأن تكتب عبارة (الغضب في روايات أهل البيت (Q، فقراءتها وقراءة الآثار الوخيمة المترتبة عليها تقلل من نار الغضب بالتدريج، نذكر منها ما رُوِيَ عَنْ الإمام عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام: “الغَضَبُ شَرٌّ إن أطَعتَهُ دَمَّرَ”([22]) .
وعنه عليه السلام: “الغضب نار موقدة، من كظمه أطفأها، ومن أطلقه كان أول محترق بها” ([23]).
الإمام علي عليه السلام: “إياك والغضب، فأوله جنون وآخره ندم” ([24]).
الإمام الصادق عليه السلام: “من لم يملك غضبه لم يملك عقله “([25]).
عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: “شدّة الغضب تُغيّر المنطق وتقطع مادّة الحجّة، وتُفرِّق الفهم”([26])، فكل هذه الروايات تأمرنا بأن نتحكم بغضبنا، فلذا مثلما علّمتنا الشريعة أن نقول لما نغضب ونحن صائمين ” اللهم إني صائم”، ليقل في بقية الأيام” اللهم إني كاظم لغيظي قربة إليك”.
3. التأسي بأهل البيت عليهم السلام عند الغضب: فحينما نغضب نسعى لاستذكار مواقف أهل البيت عليه السلام في كظم الغيظ، ويكون ذلك بالاطلاع على سيرتهم Q، ففي رواية أنَّه “جعلت جارية لعليّ بن الحسين عليه السلام تسكب الماء عليه، وهو يتوضّأ للصّلاة، فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فَشَجَّهُ، فرفع عليّ بن الحسين عليه السلام رأسه إليها فقالت الجارية: إنّ الله عزّ وجلّ، يقول: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، فقال عليه السلام لها: قد كظمت غيظي قالت: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال عليه السلام لها: قد عفى الله عنك قالت: ﴿وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾، قال عليه السلام: اذهبي فأنت حرّة “([27]) .
4. نفّس عن غضبك بسلوك سوي. فعادة الغاضب بلحظة غضبه يريد أن ينفسّ عن غضبه فيلجأ إلى ممارسة سلوك يسيء للمغضوب عليه كالصراخ عليه وذمّه. ولكن ليعتاد على أن ينفّس عن نفسه بممارسة سلوك سوّي كأن يقوم بممارسة الأعمال الحركية التي يحبها الغاضب، فتغيير الحالة الفعليَّة للشَّخص إلى حالة أخرى، مؤثِّرة في علاج الغضب، ففي الرِّواية: “كان النَّبيُّ صلى الله عليه وآله إذا غضب وهو قائم جلس، وإذا غضب وهو جالس اضطجع، فيذهب غيظه”([28]) .
وورد في رواية: “أن يضع خدّه على الأرض أو يسجد لله تعالى”([29]) .
ويمكنه أن يجسد حركته بالقيام بعمل مفيد كالطبخ أو التنظيف أو تعديل الحديقة، أو ممارسة الرياضة أو تمارسين التصميم، والأفضل الجمع بين هذه النقطة مع النقطة السابقة أي بعد الابتعاد عن الشخص الذي أثارك مع التزام الصمت عن رده، والإكثار من ذكر الله كذكر الصلوات، وبنفس الوقت ينشغل بعمل ما يحبه.
5.مثّل بأنك حليم كاظم للغيظ. فلما تتعرض للمواقف التي تثير غضبك مثّل بأنك حليم، ولتكن متفوقاً في التمثيل، فإن التشبه بقوم ما ظاهريّاً وسلوكيّاً يؤدّي في النتيجة بفعل المواظبة والتكرار، إلى الدخول الحقيقيّ ضمن أولئك القوم. فقد روي عن أمير المؤمنين عليه السلام:” إنْ لَمْ تَـكُنْ حَلِيماً فَتَحَلَّمْ، فَإنَّهُ قَلَّ مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْم إلاّ أوْشَكَ أنْ يَصِيرَ مِنْهُمْ”([30]) .
أي الذي يتشبّه بأنه حليم واستمر على ذلك لفترة كأن تكون أربعين يوما فسوف يكتسب صفة الحلم، وكلما زادت فترة التشبه بالحليم كلما صارت السيطرة على الغضب أيسر من السابق، وبالتدريج تقوى عنده صفة الحلم وكظم الغيظ…والأفضل أن يتفق المربي مع أفراد أسرته بأن يمثّلون دور الحليم، ولذا لما تحصل مشكلة، فلزم على أحدهما أن يذّكر الثاني بتمثيل دور الحليم كأن يقول:(إن لم تكن حليما فتحلم)، أو يؤشر بيديه بإشارة “الاكشن”-بأن يطبق إحدى اليدين على الأخرى- لتذكيره بالتمثيل..وبالتدريج وبعد مرور أسابيع ستجدون أنفسكم اكتسبتم صفة الحلم.
6. ردد اسمَ الله “يا حليم” 30 مرة يومياً، على أن تقصد بهذا النداء أن تستمد صفة الحلم من الله الحليم، فهو تعالى مصدر الكمالات والقوة، وأيضا كرر عبارة “أنا حليم” 30 مرة يوميا على الأقل، ولفترة أربعين يوما، لأننا نريد أن نغير من برمجة عقلنا الباطن بأن نستبدل كلمة الغضوب أو العصبي -التي نسمعها من الناس بحقنا وترسخت في أذهانا -بصفة الحليم، بأن نحاول تكرار الكلمة وتصديقها والتشبه بها لفترة من الزمن -كما ذكرنا في النقطة السابقة- وهذا الأمر أشار إليه مولانا الإمام علي عليه السلام: “…وكل متوقع آت، وكل آت قريب دان”([31]).
7.تدريب النفس على البدائل، فمن الأسباب التي تدفعنا للغضب هي أننا نفتقر إلى مهارة حل المشكلات، ولذا ينبغي أن ندرب أنفسنا عليها ونجد الحلول المناسبة حتى إذا وقعنا في المشكلة نستذكر الحلول ونطبقها دون الحاجة إلى الغضب.
مثال ذلك: ولدي كسر إناء، فأغلب ردة فعل الأمهات أنها تغضب وتصرخ على الولد وبعد ذلك تذهب بنفسها إلى تنظيف المكان من الزجاج، وبالتالي هي لم تربي الولد على الاستقامة بل العكس لأن عقله سيقول (أنا أستطيع أن أعمل أي خطأ مقابل أتحمل غضب أمي)، وأيضا إن المربي بفعله هذا سوف يدفع الولد للكذب حتى يتفادى غضب المربي. والنتيجة أنك لم تربيه بل أفسدتِه، هذا بالإضافة إلى أنك أثرتِ على صحتكِ وأثرتِ سلبا على جو العائلة.
لكن الحل الصحيح الذي لزم أن أبرمج عقلي عليه هو أن أسأله بهدوء: “ماما هل أنت كسرته؟ أريدك تصارحني، ولك مني وعد لا أصرخ عليك؟”، فهو إما سيصارحك أو سيتحجج، فأنتِ بكل الحالات لا تكذبيه وقولي له: “إذن ماما لزم أن تصلح الخطأ الذي ارتكبته، فهيا قم بتنظيف المكان جيدا، والمطلوب منك أن تشتري إناء بدل الذي كسرته، أو تخسر قيمته من مصروفك”، فهنا سوف يتأدب الولد…وهكذا الحال مع بقية سلوكياته غير الصحيحة.
ومهارة حل المشكلات ضروري أن يتعلمها الفرد؛ ليتمكن من إيجاد حلولا مناسبة لمشاكل الحياة ومنها الزوجية، فلو كان زوجك مقصرا بالحقوق الزوجية، فلتخصص الزوجة وقتا بالتفكير بهدوء في المشكلة، والأفضل تمسك ورقة وقلم وتكتب عدة حلول للمشكلة، وتختار أهون الشرور، أي أقلها ضررا، وننصح بعدم الاستعجال باتخاذ القرار فيما لو كان الأمر مصيري، ويمكن أن تستشيري شخصا حكيما ليخبرك ببعض الحلول السليمة إذا عجزت عن إيجادها.
8. أن يصوّر الشخص نفسه وهو بحالة الغضب، كأن يضع كاميرة في الدار أو أن يتفق مع أحد أفراد العائلة حينما يغضب أحدهم يقوم الآخر بتصويره سرًا، ومن ثم بعد أن يهدأ يريه الفيديو، فهو لما يرى ملامح وجهه ويسمع صراخه سوف يخترع ويخجل من نفسه، ويتخيل مدى الاشمئزاز والرعب الذي أدخله على قلوب الآخرين، ولكن بشرط أن تأخذوا وعدا من الأولاد بأن يحذف، ولا يقوم أحدهم بنشر أي مقطع منها على مواقع التواصل.
9.التصدّق في “حصالة الحلم”: وذلك بأن يتم صنع أو شراء حصّالة ويوضع عليها لاصق باسم حصالة الحلم أو حصالة التحكم بالغضب، وكلما غضب المربي أو الولد في وقت لا ينبغي أن يغضب فيه، يتم التصدّق بمبلغ من المال الخاص في الحصالة، بشرط أن يتذكر المنفق في هذه الحصالة بأنه كلما نقص ماله فإن هناك نقصاناً في حسناته.
10. تطبيق برنامج (جدول التحكم بالغضب): فبعد تطبيق كل النقاط التسعة السابقة لزم أن نقيّم درجة تحكمنا بالغضب، وذلك من خلال برنامج متابعة وتقييم يستمر لمدة أربعين يوما، بشرط أن يخصص الأسبوع الأول لرصد كم مرة تغضب فيه كل يوم، ثم يحسب معدل الغضب الأسبوعي بتقسيم مجموع عدد مرات الغضب في كل يوم على سبعة، ثم يبدأ تطبيق البرنامج لفترة ستة أسابيع، بأن تعزم على مجاهدة نفسك في التحكم بالغضب، وأن يدّون غضبه بوضع علامة في الجدول سواء أغضب داخل أو خارج البيت، فإذا كنت تغضب باليوم ست مرات، فحث نفسك بأن تكون إرادتك أقوى للتحكم بالغضب أكثر، فإذا صرت بعد أيام تغضب في اليوم ثلاث مرات، فهذا تقدم، ولكن استمر في تشجيع نفسك على التحكم أكثر، كأن تقول المرأة لنفسها ” أنا قوية وحليمة”، فإذا انتهت الفترة وما زالت نسب الغضب المذموم عالية، فلا توبخي نفسك، وتقولي لها “أنا لا خير فيّ، أنا فاشلة “، كلا ..فالأمر بالبداية يكون صعبا، كمن يمارس الرياضة لأول مرة فإنه يجد ألماً في جسده ولكن باستمرار سيزول الألم وسيكون الأمر سهلا…، ولا بأس من جعل مكافأة لمن يوفق في التحكم بغضبه….ولا تنسوا الاستعانة بالله والتوسل بمحمد وآله لكي يعينونا على التخلص من هذه الصفة المذمومة…
هذه النقاط إذا التزمنا بها فسوف نتحكم بغضبنا، ولا تنسوا فإن الشريعة لما تنهانا عن الغضب وتأمرنا بالتحكم بالغضب، فلا يعني أن نقتل الغضب نهائيا ولا نحرك ساكنا حتى لو انتهكت الأعراض والمقدسات كما نرى ذلك متحققا في قضية الاستخفاف بالحجاب والصلاة والعلاقات غير الشرعية وسماع الأغاني وتعاطي المسكرات والمخدرات ووسائل الإعلام الفاسد..الخ
بل الشريعة أمرتنا أن نغضب باعتدال لأجل إحقاق الحق وإزهاق الباطل بأن نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، فإن لم يحتمل التأثير بأن كان الفاعل لا يبالي بالأمر فتكليفه يكون بإظهار الكراهة فعلاً أو قولاً بأن يُظهر استياءَه من فعل المنكر، وهذا رأي سماحة السيد السيستاني دام ظله([32]).
فالمؤمن الحقيقي هو الذي يغضب لله وينصر دين الله وينقذ أولاده من البيئة الفاسدة حتى لو استلزم منه أن يموت شهيدا في سبيل الله وفي سبيل نصرة إمام زمانه، ولنا في أبي الفضل العباس والذي من ألقابه الشعبية (أبو راس الحار) وأبو الغيرة أسوة حسنة، والروايات بهذا الشأن عديدة، منها ما روي عنه في يوم عاشوراء، حيث يقول الراوي: لما لم يبق مع الحسين إلا أخوه العباس، جاء إلى الحسين يطلب منه الإذن بالقتال قائلا: هل من رخصة؟ فبكى الحسين عليه السلام بكاء شديدا ثم قال: يا أخي أنت صاحب لوائي، فإذا مضيت تفرق عسكري فقال العباس: قد ضاق صدري وسئمت الحياة وأريد أن أطلب بثأري من هؤلاء المنافقين. فقال الحسين عليه السلام: إذن أطلب لهؤلاء الأطفال قليلا من الماء.
قال الراوي: فذهب العباس إلى القوم وعظهم وحذرهم غضب الجبار، فلم ينفع، فنادى بصوت عال: يا عمر بن سعد هذا الحسين بن فاطمة بنت رسول الله قد قتلتم أصحابه وأهل بيته، وهؤلاء عياله وأولاده عطاشى فاسقوهم من الماء قد أحرق الظمأ قلوبهم. فأثر كلامه في العسكر حتى بكى بعضهم. ولكنَّ شمراً صاح بأعلى صوته: يا ابن أبي تراب لو كان وجه الأرض كله ماءً وهو تحت أيدينا لما أسقيناكم منه قطرة!
فرجع العباس إلى أخيه يخبره بجواب القوم، فسمع الأطفال يتصارخون وينادون: العطش العطش.
أو تشتكي العطش الفواطمُ عنده
وبصدر صعدته الفراتُ المفعمُ
فركب جواده ومعه اللواء، وأخذ القربة وقصد الفرات، فأحاط به أربعة آلاف ممن كانوا موكلين بالفرات لمنع الحسين وأصحابه منه ورموه بالنبال فكشفهم وقتل منهم جماعة.
وثنى أبو الفضل الفوارس نكصا
فرأوا أشد ثباتهم أن يهزموا
ماكر ذو بأس له متقدما
إلا وفرَّ ورأسُه المتقدم
حتى إذا وصل إلى المشرعة، ركز لواءه ونزل إلى الماء فلما أحس ببرد الماء وقد كظه العطش، اغترف غرفة ليشرب، لكنه تذكر عطش الحسين عليه السلام فرمى الماء من يده وقال: لا والله لا أشرب الماء وأخي الحسين عليه السلام عطشان ثم جعل يقول:
يا نفسُ من بعدِ الحسينِ هوني
وبعده لا كنتِ أو تكوني
هذا حسينٌ وارد المنون
وتشربين باردَ المعين
(نصاري)
غرف غرفة ابيمينه او راد يشرب
وگلبه امن العطش نيران يلهب
ذكر چبدة عضيده والدمع صب
ذبه او عليّ گال الماي يحرم
اشلون اشرب ورد ريان عنّك
وخوي احسين ورده انمنع منّك
ينهر العلگمي عگبه عسنّك
وردك لا هنه ويصير علگم
اشلون اشرب وخوي احسين عطشان
او سكنه والحرم واطفال رضعان
وظن گلب العليل التهب نيران
يريت الماي بعده لا حله او مر([33])
محاضرات (زاد المبلّغات) لشهر محرم الحرام
تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع
[1] الكافي-الشيخ الكليني -ج ٢ -ص ٣٠٣ / ٣.
[2] شرح أصول الكافي-ج 4-ص 227.
[3] للتوسُّع أكثر راجع جامع السعادات للنراقي، مبحث: الغضب.
[4] بحوث أخلاقية من الأبعون حديثاَ، سلسلة المعارف الإسلامية، نشر: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية.
[5] أصول الكافي-الكليني – ج2-كتاب الإيمان والكفر، باب الغضب، الحديث 1.
[6] جامع السعادات -محمد مهدي النراقي -ج ١ -ص ٢٥٦.
[7] مشكاة الأنوار – على الطبرسي -ص ٥١.
[8] بحار الأنوار -العلامة المجلسي -ج ١٠٠ -ص ٢٤٩.
[9]إحياء علوم الدين-أبو حامد الغزالي-كتاب ذم الغضب والحقد والحسد.
[10] بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج ٧٤ -ص٣٦٠ / ٤.
[11][11] بحار الأنوار – العلامة المجلسي -ج 78-ص 209.
[12] الفتح/29.
[13] التوبة/73.
[14] محاسن الكلم-مركز المعارف للتأليف والتحقيق.
[15] الكافي – الشيخ الكليني -ج ٢ -ص ٣٠٣ / ٣.
[16] غرر الحكم-الآمدي -١٠٥٢٩.
[17] الرعد/11.
[18]غرر الحكم-الآمدي -٣١٨٢.
[19] غرر الحكم-الآمدي -5155.
[20] الأعراف/ 200-201.
[21] تنبيه الخواطر-الحلواني – ج 1 – 122.
[22] غرر الحكم -الآمدي -1220.
[23] غرر الحكم-الآمدي -٩٦٥، ١٧٨٧.
[24] الكافي-الشيخ الكليني -ج ٢ -ص ٣٠٥ / ١٣.
[25]بحار الأنوار-العلامة المجلسي -ج68-ص 428.
[26] الآمالي-الصَّدوق – ص 268 – 269.
[27] كنز العمّال-المتقي الهندي – ج 7- ص 414.
[28] المحجة البيضاء-الفيض الكاشاني – ج5- ص308.
[29] المحجة البيضاء-الفيض الكاشاني-ج5-ص308.
[30] شرح نهج البلاغة -ابن أبي الحديد -ج ١٩ -ص ٢٧.
[31] نهج البلاغة -خطب الإمام علي (ع) -ج ١ -ص ١٩٧.
[32] موقع سماحة السيد السيستاني/ sistani.org/ الاستفتاءات/ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر/سؤال رقم2.
[33] مجمع مصائب أهل البيت ع-الشيخ الهنداوي-ج1-ص317-318.
: تأليف الباحثة والمستشارة التربوية ميّاسة شبع