image


يرويها المستشار النفسي م.م سيف الدين

"طفلي لا يستجيب..."

بهذه الكلمات المرتجفة افتتحت الأم حديثها، وعيناها تحملان قلقًا أكبر من أن يُخفى.

جلست أمامي، وكأنها تنتظر طوق نجاة.

حاولتُ أن أفتح معها باب الحوار، أن ألتقط خيطًا يقودني إلى فهم ما يحدث... لكن الإجابة بقيت تدور في حلقة مغلقة:

"لا يستجيب... لا يتكلم..."

صمتٌ ثقيل خيّم على المكان.

ثم انفجرت قائلة:

"دكتور، أنقذني... ماذا أفعل؟ ابني لا يتكلم!"

نظرتُ إليها بهدوء، وسألت:

– منذ متى بدأت هذه الحالة؟

تنهدت، وكأنها تعود بذاكرتها إلى الوراء:

– منذ سنتين أو ثلاث... منذ أن دخل المدرسة.

– وهل هناك ما يثير القلق في المدرسة؟

– لا أبدًا، مدرسة أهلية ونموذجية... اخترتها لأخفف عني بعض الأعباء، مع التزاماتي الكثيرة... وأخته أيضًا في مدرسة حكومية، لكنها – بالمناسبة – أفضل من حيث التنظيم.

– أكملي...

أطرقت قليلًا، ثم قالت:

– كنت أسأله كل يوم: ماذا أخذت في المدرسة؟

فكان يجيبني ببرود: "لا شيء... موجود في مجموعة الواتساب."

توقفت...

ثم أردفت:

– أما أخته... فكانت تحكي كل شيء، من الألف إلى الياء.

هنا... بدأت ملامح الصورة تتشكل. المستشار 

في الماضي، كان الطفل يحمل دفتره، يدوّن واجباته، يكتب ملاحظاته، ويتابع تفاصيل يومه بنفسه...

كان يشعر أنه مسؤول.

أما اليوم...

فقد تحوّلت التفاصيل كلها إلى شاشة.

واجباته في "الواتساب"...

ملاحظاته في "الواتساب"...

حتى يومه... لم يعد يُروى.

سألتها:

– هل ابنتك تخبرك بتفاصيل يومها؟

ابتسمت بحزن:

– نعم... عن كل شيء.

رفعتُ بصري وقلت:

– إذن... المشكلة ليست في الطفل فقط.

سكتت... تنتظر.

– نحن لا نخسر أبناءنا فجأة... بل نخسرهم شيئًا فشيئًا.

ليس لأننا نرفض التكنولوجيا... بل لأننا لم نحسن استخدامها.

كان ابنك حاضرًا بجسده... لكنه غائب بصوته، بمشاعره، بمبادرته.

تعوّد أن يتلقى... لا أن يعبّر.

أن ينتظر... لا أن يتحمّل مسؤولية.

ساد الصمت مرة أخرى... لكن هذه المرة كان صمت إدراك.

ثم قلت لها بهدوء:

الحل يبدأ من هنا:

ليس بمنع "الواتساب"... بل بإعادة الطفل إلى مركز الحدث.

للأهل:

اسألوه عن يومه... عن شعوره، لا عن واجباته فقط.

دعوه يتحدث... حتى لو كان كلامه بسيطًا.

اجعلوا المعلومة تأتي منه... لا من الهاتف.

وللمدارس:

أعيدوا للطفل دوره...

ليكتب بيده،

ليتذكر بعقله،

وليتحمل مسؤوليته.




 


: تحرير /فاطمة الحسيني