image

يسعى الوالدان جاهدين إلى توفير احتياجات أبنائهم من المأكل والملبس والمسكن، ويبذلان ما في وسعهما ليضمنا لهم حياةً كريمة مستقرة. ثم، عندما يبلغ الأبناء سنًا معينة، تبدأ مرحلة الدراسة، فيتحول جلّ اهتمام الوالدين إلى التحصيل العلمي والنجاح الدراسي، حتى يصبح التفوق هو الهدف الأول، وربما الوحيد.

لكن، هل هذا هو الهدف الحقيقي من تربية الأبناء؟

لا شك أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وله منزلة عظيمة وأجر كبير، كما أن توفير مستلزمات الحياة يُعدّ نوعًا من الرعاية الواجبة. إلا أن هناك فرقًا جوهريًا بين "الرعاية" و"التربية"، وهو فرق يغفل عنه الكثير من الناس. فالجميع يرعى، لكن القليل فقط من يُحسن التربية.

الرعاية تعني أن توفر لابنك ما يحتاجه ليعيش، أما التربية فتعني أن تُعدّه ليحيا حياةً مستقيمة ذات معنى وقيمة.

التربية أصعب وأشق، لأنها عملية بناء للإنسان من الأساس، تبدأ من أدقّ التفاصيل، من الكلمة التي يسمعها الطفل، ومن الموقف الذي يراه، ومن القدوة التي يعيش معها يوميًا. هي كمن يضع حبات رمل فوق بعضها ليشيّد بناءً متماسكًا؛ عملٌ تراكمي يحتاج إلى صبرٍ طويل، ووعيٍ عميق، واستمرارٍ لا ينقطع. قد يبدو ذلك مستحيلًا، لكن بإضافة الماء وبعض المواد يشتدّ البناء ويترسّخ. وكذلك التربية، لا تكتمل إلا بإضافة القيم والقدوة والأخلاق.

فالتربية الحقيقية تبدأ بتعليم الطفل السلوك الصحيح، وغرس الأخلاق الحميدة في نفسه، وأول ذلك وأهمه هو تعريفه بالله تعالى، وتنشئته على حب الدين وفهمه الصحيح، وأن نربيه ليكون مصلحًا لا صالحًا فقط؛ لأن الصالح ينفع نفسه، أما المصلح فينفع نفسه ومجتمعه.

ولا تكون التربية بالأوامر وحدها، وإنما بالممارسة والقدوة؛ فالطفل لا يتعلم مما يُقال له فقط، بل مما يراه أمامه. لذلك، فإن سلوك الوالدين هو المدرسة الأولى، وهو الأثر الأعمق في تكوين شخصية الأبناء.

كما أن التربية لا تقف عند مرحلة عمرية معينة، بل هي عملية مستمرة تتطور مع نمو الطفل، وتشمل جميع الجوانب الفكرية والنفسية والسلوكية. فلا قيمة لتفوق دراسي إذا كان مصحوبًا بسوء في الأخلاق، ولا فائدة من نجاح ظاهري إذا كان صاحبه لا يحترم والديه أو يفرّط في صلاته.

والخسارة الحقيقية ليست في ضعف أحد الجانبين فقط، بل في ضياعهما معًا؛ حين يفقد الإنسان العلم النافع والأخلاق القويمة في آنٍ واحد.

إن التربية مسؤولية عظيمة، وهي أمانة في أعناق الآباء، لا تتحقق فقط بإطعام الأبناء وتعليمهم، بل ببنائهم إنسانيًا وأخلاقيًا، ليكونوا لبناتٍ صالحة في مجتمعهم.


: تحرير /فاطمة الحسيني